الحياة التي تحدث على الهامش
ثمة جزءٌ كبير من الحياة يمضي دون أن نمنحه ما يستحق من الانتباه، لا لأنه قليل الأهمية، وإنما لأننا اعتدنا أن نقيس قيمة أيامنا بما يحدث فيها من تحولات واضحة. نلتفت إلى ما يغيّر اتجاهنا، ونتذكر ما يصنع فارقًا ظاهرًا، ونترك ما بين ذلك يمر وكأنه مساحة لا تستحق الوقوف عندها، وتلك التفاصيل الصغيرة لا ننظر لها بتاتًا، وكأنه شيءٍ ثانوي لا يستدعي التوقف عنده. وربما كان هذا أحد أكثر تصوراتنا غرابة عن الحياة؛ أن نظن أن قيمتها تكمن في لحظاتها الكبرى وحدها، وهذه نظرة شمولية جماعية ننظر لها، وكأن الأمر هكذا فعلاً! فالإنسان لا يتشكل فقط بما حققه، وإنما بما سعى له وركض خلف الاتجاه، وبما مرَّ به أثناء الطريق من صدماتٍ ومعارف وقناعات اكتسبها. ثمة أشياء تعمل في أعماقنا بهدوء، تغيّر رؤيتنا، وتعيد ترتيب أولوياتنا، وتمنحنا فهمًا مختلفًا لأنفسنا والعالم، دون أن نستطيع تحديد اللحظة التي بدأ فيها كل ذلك. لا يحدث النضج في يومٍ محدد، ولا نستيقظ فجأة وقد أصبحنا نسخة أخرى من أنفسنا. التحولات الحقيقية غالبًا بطيئة وتنمو على مهلٍ شديد، إلى درجة أننا لا نراها وهي تحدث. تمر الأيام والساعات، وتتراكم التجارب، ...