المشاركات

التكييف القانوني: كيف نقرأ الواقعة ؟

أكثر ما يستوقفني في دراسة القانون، ودراسة مفاهيمه القديمة والحديثة أن واقعةً واحدة ليست ذات تأثير عالي، ولكنها ذات اهتمام من خلالها قد يتغيّر فهمها وفهم الواقعة حين نعرف تفصيلًا إضافيًا عنها. تقرأ المسألة، وتظن أنك عرفت وجهتها، وعرفت مآل القضية ومن خلالها يأتي في بالك نهاية القضية وبماذا سوف تكون عليها. ثم تصل إلى عبارة وردت في اتفاق، أو شرط سبق التصرف، فتعود إلى البداية وتقرأ من جديد. ومع الوقت، سوف تتعلّم أن تتريّث قبل أن تقول: هذه المسألة واضحة، ولا يحتاج لها الكثير من الإمعان بها، من خلالها يتبين تلك التفاصيل التي لم تكن ذا وضوح عالي.  هذا ما يجعل التكييف القانوني موضوعًا يستحق التأمل. والمقصود به تحديد الوصف القانوني المناسب للواقعة؛ أي أن نفهم ما حدث، ثم ننظر إلى الإطار القانوني الذي تندرج تحته. سأسرد لكم مثالاً من خلالها تتبين الصورة أكثر؛ لو قال لك شخص إنه حوّل مبلغًا إلى آخر، وإنه يطلب استرداده، فستحتاج إلى معرفة سبب التحويل. هل أقرضه المبلغ؟ هل دفعه مقابل عمل؟ ماذا اتفقا عليه؟ وماذا تتضمن المراسلات بينهما؟ كل إجابة تساعدك على فهم العلاقة، وتقرّبك من الوصف المناسب لها. وتظ...

التحليل النفسي من منظور فلسفي

منذ أن بدأ الإنسان يتأمل وجوده، وبدأت تحركاته الفكرية والحياتية، قراءةً في الوجود وما وراءه. ظلَّت النفس البشرية من أكثر الموضوعات إثارةً للتساؤل الفلسفي والعلمي، فقد استطاع الإنسان أن يفسَّر كثيرًا من الظواهر الطبيعية، التي في الكون تزامنًا منذ انفجار الاكتشافات العملية والصناعية إلى عصرنا هذا، عصر التكنولوجيا والانفجار التقني، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي وسرعته في التطور وما زلنا باعتقادي في بدايته.  ومع استمرار الإنسان في اكتشاف أسرارًا دقيقة في تكوين العالم، بينما بقيت ذاته مجالًا واسعًا للبحث والتأمل. فكيف تتشكَّل الأفكار؟ ما هي تلك الأدوات؟ وما حاجته إلى ذلك؟  ولماذا كل ذلك قبل بداية الأمر؟ وهل يمتلك الإنسان معرفة حقيقية بجميع الدوافع التي تحرّك سلوكه؟ تلتقي الفلسفة والتحليل النفسي عند هذه التساؤلات، حيث الفلسفة كما نعلم عنها أنها تسعى إلى فهم طبيعة الوعي والهوية والإرادة، بينما يهتم التحليل النفسي بدراسة الدوافع والصراعات الداخلية وأثر التجارب الماضية مثل الطفولة وغيرها في تكوين الشخصية. وقد أسهم هذا الاندماج بين تلك العلمين في توسيع النقاش حول النفس الإنسانية، وفتح آفا...

هل نبحث عن الحقيقة، أم عمَّا يطمئننا؟

أثناء بحثنا عن تلك المعلومات والأحداث التي نعمل على فهمها، وفهم حقيقتها. وعلى العكس تمامًا هنالك من ولدت فيه المعلومة منذ نشأته، أي بمعنى ليس كلُّ ما نصدّقه قد وصل إلينا بعد رحلةٍ طويلة من البحث؛ بعض الأفكار وُلدت فينا مبكرًا، ثم كبرت معنا حتى بدت كأنها جزءٌ من طبيعتنا وحياتنا. نألفها، ونتفحص فيها، ونستند إليها، ونبني حولها تفسيرنا للأحداث والوقائع من حولنا. ومع مرور الوقت، قد يصبح السؤال عنها أثقل وأصعب من التمسك بها. للحقيقة كلفةٌ لا تظهر في الكتب ومنصات التواصل الاجتماعي: قد تطلب من الإنسان أن يعيد النظر في رأيٍ دافع عنه طويلًا، أو أن يعترف بأن فهمه كان ناقصًا، أو أن يواجه واقعًا تمنّى لو كان مختلفًا. لذلك تميل النفس أحيانًا إلى الفكرة التي تمنحها سكينةً عاجلة ومطمئنة يطمئن من خلالها الإنسان، ويبتعد عن الفكرة التي تزعزع ترتيبه وكيانه الداخلي. ومن هنا يختلط طلب الحقيقة بطلب الطمأنينة. كما ذكرت هنالك نوعان في هذا العالم.  نقرأ ما يؤيد تصوراتنا، ونصغي أكثر لمن يشبهنا حتى في جانب العلاقات قد تجدنا أحيانًا ندافع عن أشخاص ليس معهم الحقيقة، ونفسّر الوقائع بطريقةٍ تحفظ قصتنا عن أنفسنا. ...

من أين تأتي قناعاتنا ؟

كنتُ أظنّ أن قناعات الإنسان تنشأ حين يفكّر في أمرٍ طويلًا، من خلاله يتشكّل الأمر، ثم يختار موقفه منه. لكنني حين حاولتُ أن أتذكر كيف تكوّنت بعض آرائي، لم أجد قرارًا واضحًا اتخذته. وجدتُ عباراتٍ سمعتها كثيرًا في البيت، وأفكارًا ترددت بين الأصدقاء، وأحكامًا قرأتها حتى ألفتها. دخلت حياتي شيئًا فشيئًا، إلى أن صرتُ أنطق بها بصوتي، وذلك طبيعيًا، لأن أغلب العوام تنشئ آرائهم بهكذا مشاهد.  نرث من بيئاتنا أكثر مما ننتبه إليه. نتعلم مبكرًا ما الذي يُعدّ نجاحًا، وعكس ذلك. ونركض ونسعى كثيرًا حول ذلك.  وماهي الأعمال التي تستحق التقدير والاحتفاء ؟ ، وكيف ينبغي للمرء أن يقضي عمره في ما يحب أو يطمح إليه. تمنحنا هذه الأفكار لغةً نفهم بها العالم، وكل شيءٍ حولنا،  وقد ترافقنا سنواتٍ قبل أن نسأل أنفسنا عن أصلها. وحين نواجه تجربةً لا ننسجم معها، نشعر بحيرةٍ يصعب تفسيرها، نعيش في الشعور الذي يجب أن نعيشه، ونعيش في التردد بين محاولة البقاء أو الذهاب. وبين هذا وذاك، ما عشنا على تصديقه يقول شيئًا، وما رأيناه بأعيننا يقول شيئًا آخر. أتذكر أنني كنتُ أقرأ بعض النصوص وأثق بحكمها على الأشخاص والأحداث لم...

في مديح مهنة الإعلام

منذ ممارستي لمهنة الإعلام والكثير من الأشياء عرفتها، وتغيَّرت من حولي. الكثير من النصوص لم أقرأها قراءة عادية، تمامًا تلك النصوص الرسمية التي تخرج من جهة ذات مسؤولية عالية، سواءً جهةً رسمية أو تشريعية أو إبداعية، وإنما أتفحَّص بها من جانب إعلامي مهنيَّ، ما الذي يُميَّز هذا النص ؟ ما الشيء المختلف فيه عن بقيَّة النصوص ؟ ما الذي ينقصه ؟ ما الممارسة الخاطئة التي عملوها ؟ ، وحتى في الجانب الأسلوبي والنحوي والإملائي أتفحَّص هذا الأمر.  وباعتقادي أن ما ذكرته يأتي من طابع ممارساتي أكثر، تجد كلاًّ في مجاله وتخصصه، تجد القانوني يقرأ تلك الأحرف التي ترمز إلى العدالة والحقوق والحريات، وإعطاء المواطن حقه في الأشياء الأساسية مثلاً أو في مطالباته التي يستحقها.  وآخرون قد ينظرون إلى الإعلام أنه جانب حساس للغاية، ويملؤه تلك المخاطر التي تحيط به. بينما تجد الممارس للإعلام، يمارس المهنة بكل سلاسة وسهولة، ودون تكلفةً عليه في الجانب العملي. وهنا تكمن قوة الإعلام.  إن قراءة تلك النصوص، أو حتى مشاهدة المرئيات، تكمن قوتها أو بساطتها بعين مشاهدها، فهو الذي يقرر هل هذا الشيء جيدًا بما فيه الكفاية...

في مديح مهنة الإعلام

  منذ ممارستي لمهنة الإعلام والكثير من الأشياء عرفتها، وتغيَّرت من حولي. الكثير من النصوص لم أقرأها قراءة عادية، تمامًا تلك النصوص الرسمية التي تخرج من جهة ذات مسؤولية عالية، سواءً جهةً رسمية أو تشريعية أو إبداعية، وإنما أتفحَّص بها من جانب إعلامي مهنيَّ، ما الذي يُميَّز هذا النص ؟ ما الشيء المختلف فيه عن بقيَّة النصوص ؟ ما الذي ينقصه ؟ ما الممارسة الخاطئة التي عملوها ؟ ، وحتى في الجانب الأسلوبي والنحوي والإملائي أتفحَّص هذا الأمر. وباعتقادي أن ما ذكرته يأتي من طابع ممارساتي أكثر، تجد كلاًّ في مجاله وتخصصه، تجد القانوني يقرأ تلك الأحرف التي ترمز إلى العدالة والحقوق والحريات، وإعطاء المواطن حقه في الأشياء الأساسية مثلاً أو في مطالباته التي يستحقها. وآخرون قد ينظرون إلى الإعلام أنه جانب حساس للغاية، ويملؤه تلك المخاطر التي تحيط به. بينما تجد الممارس للإعلام، يمارس المهنة بكل سلاسة وسهولة، ودون تكلفةً عليه في الجانب العملي. وهنا تكمن قوة الإعلام. إن قراءة تلك النصوص، أو حتى مشاهدة المرئيات، تكمن قوتها أو بساطتها بعين مشاهدها، فهو الذي يقرر هل هذا الشيء جيدًا بما فيه الكفاية، أو ...

هل نختار أفكارنا فعلاً ؟

نعيش غالبًا في هذه الحياة وزحمتها بأحداثها الكثيرة وأفكارها التي لا تنتهي، ونحن نظن أن أفكارنا تخصنا تمامًا، وأن آراءنا نتيجة ما رأيناه وفكرنا فيه وقررناه بأنفسنا. غير أن السؤال الأكثر إثارة هو: كم فكرة في عقولنا اخترناها فعلًا؟ منذ سنواتنا الأولى بتشكيلاتنا وبداياتها، يبدأ العالم بوضع أشيائه الصغيرة داخلنا كلما خضنا شيءٍ ما؛ كلمات نسمعها، وأحكام تتكرر أمامنا، وتجارب نمر بها، وأشخاص نثق بهم، وبيئة نتأثر بها. تتراكم كل هذه الأشياء بهدوء، حتى تصبح جزءًا من الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة. ولهذا قد نحب شيئًا دون أن نعرف بداية هذا الحب ولا نعرف ماهيته، ونرفض آخر دون تجربة حقيقية، ونكوّن انطباعًا عن شخص أو مكان أو فكرة قبل أن نمنح أنفسنا فرصة اكتشافها. الأغرب أن الإنسان لا يستقبل الأفكار فقط، وإنما يخوض بها أحيانًا عمّا يؤكد الأفكار الموجودة لديه أصلًا ؟ أم لا. يقرأ ما يوافقه، ويطمئن لمن يشبه رأيه، ويلتقط من الأحداث ما يدعم الصورة والمشهد الذي تم تكوينه سابقًا. وهنا تصبح الفكرة واضحة بما يريده الذات؛ نعتقد شيئًا، ثم نرى العالم من خلاله، ثم نستخدم ما رأيناه دليلًا على صحة ما اعتقدناه.