المشاركات

العلاقات التي لا يفسدها الصمت

هنالك علاقات في حياتنا، لا تنمو بكثرة الحديث ولا بطول المجالس، وإنما تنمو بهدوء وبثقة وتعيش في القلب دون تكلَّف.  نعتاد في حياتنا أن نقيس العلاقة القريبة بمقدار الكلام والأحاديث الطويلة، وأن نربط المحبة بطول العمق، وأن نظن أن الصمت علامة تدل على الخطأ أو يدخل بها الريب، بينما الحقيقة أحيانًا تسير في الاتجاه الآخر تمامًا. فبعض الأشخاص لا يحتاجون إلى كثير من العبارات كي يطمئنوا إلينا، ولا إلى شرح طويل ليفهموا ما نعنيه، لأن بين الأرواح لغة أخرى لا تُدرَّس، ولا تُترجم، لكنها تُفهم هكذا دون مشقَّةً في التواصل.  قد تجلس مع شخص لساعات دون حديث يُذكر، ومع ذلك تشعر براحة لا تمنحك إياها أحاديث طويلة مع آخرين. وقد يمرّ أحدهم فيسأل سؤالًا بسيطًا، لكنه يحمل من الاهتمام ما لا تحمله الخطب المطوّلة. هنا ندرك أن العلاقة ليست في الكلمات نفسها، بل في المعنى الذي تحمله، وفي الصدق الذي يسكن خلفها. الصمت ليس دائمًا فراغًا كما نظن، بل قد يكون مساحة مليئة في الطرف الآخر من العلاقة، قد يكون احتواءً للأمر وقد يكون نوع من أنواع الاحترام، وكل ذلك يقاس في أحداث مختلفة.  العلاقات الحقيقية لا تُرهقك بإ...

ليس نسيانًا بل اتساعًا

عن تفكيك النسيان الذي دائمًا ما أخوض به وأحاول تشريح هذا المفهوم، من خلال أحداث حياتيَّة لربما أصابتني بداء هذا الأمر.  لا يحدث النسيان كما نظن ونعتقد، بل نحن نحاول الهروب من المشاعر والذكريات التي نودُّ ان تندثر وكأنها لم توجد، كل مافي الأمر أننا نحاول كيف نبعدها عن الواجهة، كيف نعيش دون أن تستحوذ علينا، كيف نستمر رغم حضورها الخافت.  نحن لا ننسى، نحن نعيد ترتيب ما حدث وفق ما نريده من رغبات. إننا نمنح النسيان مكانًا أقل صخبًا داخلنا، نُسكنه زاوية لا تصلها تفاصيل يومنا، ونمضي.  دائما في البدايات، كل شيء يبدو جميلاً للغاية ونحاول ألا نغادر هذا المشهد الجميل في حياتنا، حتى تدخل التفاصيل التي لا يرغبها المرء، تلك التفاصيل التي أن تمكنت من شيء غلبته سوء وكدر.  ورغم ذلك إلا أن الألم يأخذ حجمه الكامل، الذكريات تحضر بكل تفاصيلها، واللحظات تعود وكأنها لم تنتهِ. نحاول أن نهرب، أن نُقنع أنفسنا بأننا تجاوزنا، لكن الحقيقة أننا فقط في مرحلة المواجهة الأولى.  ومع الوقت والأحداث اليوميَّة يتغير شيء ما. ليس الحدث، ولا الذكرى، ولا حتى الشعور ذاته. الذي يتغير هو نحن. نصبح أوسع من ...

جوهر العلاقة بين الإنسان والحياة

لا يمكننا في هذه الحياة البسيطة أن نفهم كل ما يدور حولنا من خلال التأمل الذي دون ممارسة فعلية تحاكي هذه الفكرة أو المشهد الذي نعيش به، دون أن نتقمص التفاصيل والانخراط في أحداثها، والاحتكاك بالناس وتجاربهم التي من خلالها نفهم ونعي هذه الفكرة التي تعيش بنا.  كل شيء حولنا لا يُكتسب بالمنح والعطاء، بل بالسعي لها والأخذ بها، مثل المواقف اليومية التي تحدث معنا، والأشخاص العابرين، وكل تجربة ممكن أن تفيدك بشكل أو آخر، ولا يمكنك الاستهانة بهذا الأمر، تمامًا.  إن العيش بالتجارب، من خلالها نحمل بداخلنا شيئًا جديدًا، وإدراكًا عميقًا، واكتشافًا رائعًا، وتساؤلاً جذابًا، وفهمًا نافعًا، ومعرفةً قويةً، إنها رحلة مستمرة من الوعي.  أما الاختلاط بالناس، فهو مدرسة أخرى لا تقل أهمية عن التجارب التي تم التركيز عليها، فالإنسان مرآة الإنسان، ومن خلال الآخرين نرى أنفسنا بشكل أوضح. نتعلم من قصصهم، من أخطائهم، من طرق تعاملهم مع الحياة. نكتشف أن التجارب الإنسانية، رغم اختلافها، تتقاطع في عمقها، وهذا ما يمنحنا قدرة أكبر على الفهم والتعاطف. والإمعان في الحياة لا يعني فقط العيش، بل التأمل فيما نعيشه. أن...

نجاة الذات

كثيرًا من الأوقات التي تمرُّ بنا بلحظاتها الحرجة، لا يجدي ولا ينفع بها الكلام ولا الحديث الطويل مع من حولِنا، ياتيك شعورًا النصائح لن تفيدك بشيء، ولا يمكن لأقرب الناس إليك أن ينقذك بما أنت فيه، سوى حاجة واحدة وهي الكتابة.  حيث أن الكتابة هي ليست طريقًا للترف أو تسلية وضياع الوقت، بل هي حالة وجودية وحالة بقاء للكائن الذاتي.  حالة من نثر الكلام، وإعادة ترتيبه وإعطاءه حجمًا يكمن احتماله.  هي حالة من تغيير الواقع الذي تنظر له، من خلالها سوف ترى، وتفهم، وتتجاوز دون أن تنهار، حين تضيق بك الحياة، لا تنتظر أن تُنقذ، بل أكتب.

ما الذي يبقى بعد المواسم ؟

المواسم لا تمضي، بل هي حاضرةٌ بنا، ولا يمكن لها المغادرة.  ها نحن نعيش الحنين إلى رمضان بعد أيامٍ قليلة منذ أن غادرناه، وكل منا كسب خيراته وحسناته، وبما هو مراد ٌ منا اغتنامه والعمل به.  إننا لم نخرج منه كما نظن، نخرج وقد انزاح شيءٌ خفيّ، واستقرَّ شيءٌ آخر لا نُحسن تسميته.  في ذروة الامتلاء بالشيء ، لا نكون واعين بما يحدث، كل شيء يبدو واضحًا زيادةً عن اللازم، قريبًا حدّ الذوبان، فنظن أن هذا القرب سيبقى، وهذا الشعور حيًّا بنا وكأننا سنبقى على ذلك الشعور إلى الأبد.  لكن ما إن ينحسر الوهج والشعور به، حتى نشعر بذلك متأخرًا، وكأن إدراك الأشياء لا تُمنح إلا بعد أن تفلت من أيدينا.  ما بعد المواسم والخيرات، هو اللحظة التي يسقط فيها الوهم اللطيف، الوهم بأن الشعور هذا يكفي. ويأتيك حينها سؤال:  الفرق بين من مرّ بالموسم، ومن تغيّر به، أن الأول كان يعيش اللحظة، والآخر أصبح يحملها داخله.

فهم المعنى

عن المعاني في الحياة، وعن السعي لاكتشافها والمواصلة نحو ذلك، تبدأ رحلة الإنسان الحقيقية نحو الفهم. فليست الحياة مجرد مرور عابر، إنها محاولة مستمرة لالتقاط دلالاتها العميقة، وقراءة ما وراء ظاهرها. إن البحث عن المعنى ليس ترفًا ومتعةً فكرية، بل ضرورة تُعيد ترتيب الداخل، وتمنح الوجود ملامحه الواضحة البيّنة التي من خلالها نفهم ونستلهم.  فكل معنى تكتشفه لا يضيف إلى معرفتك فحسب، بل يعيد تشكيل نظرتك للحياة، ويمنحك قدرة أعمق على فهم ما يدور حولك؛ أسبابه، غاياته، وسياقاته. وحين تتراكم هذه المعاني، لا تعيش الحياة كما هي فقط، بل تعيها وتدرك موقعك منها. 

العشر الأواخر .. حيث تتغير الموازين

نمضي سريعًا في أيامنا دون أن نشعر بقيمتها وفضل أوقاتها، وها نحن نعيش في الأيام الأخيرة من هذا الشهر الفضيل وكأن أيامه الأولى بالأمس كانت.  نستقبله بشوق، ثم لا نلبث أن نجد أنفسنا في آخر محطاته، في العشر الأواخر، في العشر الفضائل.  هذه الأيام العشر التي نحن بها الآن ليست نهاية رمضان، بل هو الخير والفضائل الكثيرة به.  فمن لم يستغل منذ بداية رمضان، عليه بهذه الأيام الأخروية، هذه فرصته وأعظم الفرص هذه الأيام.  فيها يشتد الاجتهاد كما كانوا يفعلون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين رضوان الله عليهم، وتزداد الصلوات، وتطول الدعوات، وكأن القلوب تستشعر أن هذه الليالي ليست كسائر الليالي. لقد كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر الأواخر شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله. وهذا المشهد النبوي يكشف لنا معنى مهمًا: أن هذه الأيام ليست وقت الفتور، بل وقت الزيادة والاقتراب. إنها أيام يضاعف فيها المؤمن جهده، لأنه يدرك أن ما تبقى من الشهر قد يحمل أعظم لحظاته. إنها ليلة تتنزل فيها الملائكة، وتفيض فيها الرحمة، وتُكتب فيها المقادير بإذن الله، وتفتح فيها أبواب الرجاء لكل قلبٍ يريد أن يبدأ من ...