المشاركات

حين تصبح المعرفة عبئًا

لطالما كنت على يقين في بداية رحلتي المعرفية نحو تفسير الأشياء ومعرفتها ومعرفة ما وراءها بأنها هي الفكرة التي سوف تكون جيدة لكل العوام من حولنا في التعامل مع الحياة، والتعامل مع تقلباتها في كافة أيامها، بان تكون المعرفة هي الحل الوحيد للتعامل مع كل شيء يمكن أي يحدث معك.  ليس بالضرورة من يحدثكم هو من يعاني من هذه النقطة، وأنه في جدية الأمر مما يذكره. ولكني أرى هذا الأمر شائعًا في أحاديثنا اليومية أن من أراد الحل هو المعرفة والسير في طريق القراءة ومعرفة الأشياء من حوله، قد يكون الأمر عبئًا إضافي إلى حياته، وهذا الأمر حقيقة بكل ما يعنيه المرء.  لأن هنالك الكثير من المعارف تتطلب ثمنًا وجهدًا ووقتًا، التي بالأصل تعود عليه بالنفع، ولكن تنعكس هذه المسألة يصبح الأمر يعود عليه بانتزاع الطمأنينة وليس اكتسابها.  تبدأ بزراعة القلق والعيش في الأسئلة التي تعود عليك بالضرر، وأنت كنت غني عن ذلك.  لأن في مجتمعاتنا هنالك من يحدق في المشهد كثيرًا وينتظر طويلاً، يحاول الفهم وقراءة ما وراء هذا المعنى، هنا يعود الأمر عكسيًا وسيئًا إذا هذه الشخصية لا تود ولا ترغب بالمعرفة الصحيَّة التي تحاو...

الإعلام حين يصنع الذاكرة

في مجتمعاتنا وربما في حياتنا اليومية، نعاني من حفظ الأشياء وحفظ الذكريات والأحداث الجميلة التي تحدث، ومن هنا يأتي دور الإعلام، هو صناعة الذاكرة وحفظ الأشياء.  حيث أن الإعلام ليس دوره نقل الأخبار فحسب ، وإنما حفظ الذاكرة، فكم من حدثٍ عظيمٍ مرّ علينا وعلى الناس ثم تلاشى أثره لأن أحدًا لم يوثقه، وكم من إنجازٍ وتتويج بقي حاضرًا في الأذهان لأن عدسةً التقطته لتحفظه للأجيال من بعدنا.  الإعلام في جوهره ليس صناعة محتوى بقدر ما هو صناعة معنى. إنه الممر الذي يعبر عليه الحدث من لحظته العادية في محيطه إلى ذاكرة المجتمع. فما نعرفه اليوم عن الأمم السابقة، وعن التحولات الكبرى التي حدثت، وعن قصص النجاح والإخفاق، لم يصل إلينا صدفة، بل وصل لأن هناك من آمن بأهمية التوثيق ونقل الحقيقة. وفي المؤسسات وهذا في إطار عملي، لا تقل أهمية الإعلام عن أهمية العمل نفسه. فالمنجز الذي لا يُروى قد لا يُعرف، والأثر الذي لا يُوثق قد يضيع مع الزمن ويتلاشى، لذلك أصبح الإعلام شريكًا في التنمية والازدهار، لا مجرد ناقلٍ لها، وشاهدًا على الإنجاز، لا متفرجًا عليه. ومع التحول الرقمي الكبير، لم يعد الإعلام حكرًا على المؤسس...

حين يعود الإنسان أخفَّ مما ذهب

هنالك رحلات تبقى محبوسة في ذاكرتنا ولا يمكن للإنسان أن يعود كما كان، ليس  ليس لأن الطريق طويل، ولا لأن الأمكنة بعيدة، بل لأن شيئًا ما في الداخل قد تبدَّل. كأن الروح أعادت ترتيب شيئًا ما  قديمًا بداخلها ، ونفضت عنها غبارًا تراكم عبر الأيام دون أن تشعر به. ثمة أسفارٌ تُضيف إلى الإنسان أشياء جديدة، وأسفارٌ أخرى تُعلَّمه أشياءً وقناعات وتجارب جديدة لا يعلم بها. وفي ظني أن أجمل التحولات ليست تلك التي تجعلنا أكثر امتلاءً، بل تلك التي تجعلنا أخفّ حملًا، وأهدأ قلبًا، وأقلَّ انشغالًا بما لا يستحق. بعد كل تجربة عميقة، يعود المرء إلى تفاصيله المعتادة: إلى بيته، وعمله، وأصدقائه، وأحاديثه اليومية. لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا رأى؟ بل: ماذا أبقى معه مما رأى؟ إن اللحظات الجميلة والمثمرة في حياتنا، لا تُقاس بالوقت ولا الزمان ولا أي شيءٍ آخر، وإنما الأثر، الأثر هو كل شيء. وهل استطاعت أن تغيّر شيئًا في نظرتنا للأشياء، أو في طريقتنا مع الناس، أو في علاقتنا بأنفسنا. لعل أجمل ما تمنحه بعض الرحلات للإنسان أنها تذكّره بحقيقته البسيطة؛ أنه مهما أثقلته الأيام، يظل قادرًا على أن يبدأ من جديد، وأن يفتح ...

الإنسان لا يتعب فجأة

هناك نوع من التعب لا علاقة له بالسهر ولا الممارسة الطويلة بالشيء الذي تعمل به، ولا يزول بالنوم، ولا يظهر في ملامح الوجه بوضوح. تعبٌ يأتي من كثرة ما يحمله الإنسان في داخله دون أن يتحدث. من الأسئلة المؤجلة، والمشاعر المؤجلة، والكلمات التي قررنا ابتلاعها لأن الوقت لم يكن مناسبًا، أو لأننا اعتدنا أن نقول لأنفسنا: لاحقًا سوف يأتي وقتها. الغريب أن الإنسان قادر على الاستمرار بصورة مدهشة. يستطيع أن يذهب لعمله، ينجز مهامه بكل يسر، يبتسم للآخرين ويمكن له أن يفعل ذلك دون تكلف، يرد على الرسائل، ويبدو طبيعيًا تمامًا، بينما يحمل داخله فوضى كاملة. لهذا يبدو الحكم على البشر من ظواهرهم أمرًا مضللًا؛ لأن أكثر المعارك ضجيجًا هي التي تحدث بصمت. ربما لهذا السبب لا ينهار الإنسان دائمًا عند أول صدمة، بل ينهار أحيانًا بعد فترة طويلة جدًا، حين تتراكم الأشياء الصغيرة التي ظن أنها لا تؤثر. كلمة تجاوزها، شعور أخفاه، موقف تجاهله، وخيبة أقنع نفسه بأنها عابرة. حتى يصل إلى لحظة لا يفهم فيها سبب ثقله المفاجئ، بينما الحقيقة أن ما يشعر به لم يكن وليد لحظة واحدة، بل نتيجة تراكم طويل لم يمنح نفسه فرصة ليفهمه.

هل الإنسان كائن يكتشف ذاته أم يصنعها ؟

منذ نشأة الخليقة والإنسان بدأ يتفحَّص ذاته أكثر، يتمعن بها دون النظر إلى العالم والعوام من حوله، وكأنه باحثًا عن شيء أكبر من الإنسان.  لربما من خلال قراءة التاريخ الإنساني ومعرفة التجارب وقراءة السير الذاتية في كل أنحاء العالم، من أكثر الأسئلة تعقيدًا وصعوبة، حيث تلك تقودك إلى بحثًا عن الجواب كل حياتك.  وهي البحث عن الذات، من أنا ؟ وكيف أصبحت هذا الشخص الذي أبدو عليه اليوم؟ ما هي الغاية من كل هذا؟ باعتقادي أن مثل هذه الأسئلة بالنسبة لجزء من الناس، هي في الحقيقة بسيطة وسهلة ولا يستدعي هذا الأمر بالكثير مما ذُكر، لكن خلف هذه الأسئلة سؤال أعمق وأكثر غموضًا: هل أمتلك ذاتًا حقيقية موجودة داخلي منذ البداية وأقضي عمري في اكتشافها؟ أم أنني لا أملك شيئًا ثابتًا أصلًا، وأنني أقوم بصناعة نفسي خطوة بعد خطوة؟ مما يُنظر إلى هذه الأسئلة أنها ليست ترفًا وفراغًا يعيش به الإنسان، حيث نعيش آثاره كل يوم أن ننتبه، ودون أن نشعر.  ولكن سؤال تدوينة هذا الأسبوع فهل الإنسان يكتشف نفسه أم يصنعها؟ الشيء الذي لا يمكن إنكاره أن داخل كل إنسان حقيقة كامنة وجاذبة ومدعاةً للتأمل والتفكَّر بها، وأن الحياة ...

الأقنعة التي ابتلعتنا

منذ نشأة الإنسان وبداية فهمه وإدراكه للعالم من حوله، تبدأ عدة محاولات لإبراز نفسه، ومن ضمن هذه هي كيف يبدو مقبولاً للعالم أجمع، كيف يكون مرغوبًا للجميع، كيف يمكن له أن يرضي الآخرين بكل التحديات التي يمرُّ بها.  تجده يلاحظ الآخرين، ويراقب ردود أفعالهم ووجهة نظرهم، أكثر من أن ينتبه لنفسه ويبحث عن ما يرضيها وما تشتهيها.  تجده جادًا في تصرفاته وحريص على كل ما يخرج منه بما يناسب الطرف الآخر، يتعلّم متى يضحك، ومتى يصمت، وكيف يخفي بعض أفكاره، وكيف يقدّم نسخة “مناسبة” لكل شخص يقابله. ومع الوقت، لا يعود الأمر تصنّعًا مؤقتًا بل يتحول إلى أسلوب حياة وروتين يومي يمارسه.  المشكلة ليست في أننا نرتدي الأقنعة، فالجميع يفعل ذلك بدرجات مختلفة.  المشكلة الحقيقية تبدأ حين يطول ارتداؤها لدرجة أننا ننسى ملامحنا الأصلية. كم مرة وافقنا على أشياء لا تشبهنا فقط حتى لا نخسر أحدًا؟ كم مرة أخفينا مشاعرنا لأن الصراحة قد تجعلنا أكثر مما ينبغي”؟ وكم مرة تظاهرنا بالقوة، بينما كان داخلنا يطلب المساعدة بصوت لا تريد أحد سماعه ؟ الغريب جدًا في قراءتي لهذا الموضوع أن الإنسان يخاف أن يكتشف نفسه، ولا يخاف ...

لماذا نخاف من النسخة الجديدة من أنفسنا ؟

هنالك لحظات في حياتنا لا نشعر بها أنها لحظة مفصلية وهامة، مثل أننا سوف نكون نسخة جديدة من أنفسنا.  نسخة لا نعرفها جيدًا، ولم نعتد ملامحها بعد. ولهذا يتردد، ويتراجع أحيانًا، ويؤجل كثيرًا هذا الأمر المفصل في حياته، ليس لأنه عاجز عن التغيير، بل لأنه يخشى ما سيصبح عليه بعده. نحن نظن غالبًا أن الإنسان يخاف من الفشل، بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. كثير من الناس لا يخافون من السقوط بقدر خوفهم من التحوّل غير المستعد له، وبالتالي هنالك مخاوف.  إن النجاح الحقيقي ليس بالإنجاز فقط، بل بالتغيير الداخلي الذي يحدث، من خلالها تتبدل الرؤى وعلاقاتك مع الآخرين. وهذا ما يجعل التغيير مرعبًا أحيانًا، لأنه لا يعدك بأن تبقى كما أنت. الإنسان بطبيعته يميل إلى النسخ التي اعتادها من نفسه، حتى وإن كانت متعبة. يألف ضعفه، ويعتاد فوضاه، ويتصالح مع عيوبه القديمة بطريقة غريبة. ولهذا حين تبدأ الحياة بدفعه نحو نسخة أكثر وعيًا، أو أكثر مسؤولية، يشعر بشيء من القلق، كأن جزءًا منه يُنتزع دون دراية وشعور كامل يشعر به.  قد يشتاق الإنسان أحيانًا إلى أيام كان أقل فهمًا، لا لأنها أجمل، بل لأنها أخف وأقل وطأة على ذ...