المشاركات

وجوه بلا أقنعة

لم يكن الإنسان يومًا كائنًا ثابتًا مع مرور الأيام كما نحب أن نتخيله أو نريده، ولم تكن التحوّلات التي نراها في الآخرين طارئة كما نظن أو نعتقد، بل نحن في الغالب نشهد لحظة انكشاف أكثر مما نشهد لحظة تغيّر. فالكثير مما نسمّيه “تبدّلًا مفاجئًا” ليس سوى سقوط بطيء لأقنعة طال ارتداؤها، وملامح ظلت مختبئة خلف مجاملات طويلة وصمتٍ محسوب وغير واضح.  نحن نرتاح لفكرة أن الناس يتغيرون، لأنها تمنحنا مخرجًا نفسيًا من صدمة الخذلان، أو التحمّل بما فيه الكفاية. أسهل أن نعلّق الخيبة على الزمن أو الظروف التي جمعتنا بهم، من أن نعترف بأننا كنا نحب الصورة أكثر من الحقيقة. الإنسان حين يكون محتاجًا، وحين يريد البقاء، يجيد التكيّف. لكنه في العمق يظل محتفظًا بنسخته الحقيقية، تلك التي تظهر عندما تزول الحاجة، وينتهي الخوف، ويتأكد أن الرحيل لن يكلفه الكثير. ما نعتبره تغيّرًا غالبًا هو انتقال الشخص من مرحلة المجاملة إلى مرحلة الصراحة، من مرحلة الحرص إلى مرحلة اللامبالاة، من محاولة الإرضاء إلى اختيار الذات. وهذا الانتقال موجع لمن تعلّق بالنسخة الأولى، لكنه في حقيقته ليس خيانة بقدر ما هو كشف. المشكلة ليست في أن الناس ...

كيف تتشكّل حياتنا قبل أن نشعر بها؟

في كثير من الأحيان، أو قليلٍ منها. نشعر أننا لم نعد نعيش الحياة بقدر ما نراقبها وهي تمر، ويأتي ذلك دون حدوث شيءٍ ما، ننتبه من خلاله أن هنالك علامة فارقة.  نتابع الآخرين بعمق كبير، نتابع تفاصيلهم وحياتهم اليومية، وكأننا خلقنا لهذا الأمر !  والأدهى من ذلك أن نكون أكثر إنصاتًا لهم، أكثر من أن ننصت إلينا.  حيث أننا نؤجل أحلامنا بحجة الانشغال، نكتم أسئلتنا بدافع التعايش، ونقنع أنفسنا أن ما نشعر به مؤقت، بينما هو في الحقيقة يتراكم بهدوء، طبقة فوق طبقة، حتى يصبح جزءًا من تكويننا الداخلي الذي بعد حين يؤثر على قرارتنا وأفكارنا.  نحن لا نتغير فجأة، ولا نستيقظ ذات صباح بأفكار جديدة وشخصية مختلفة، بل يحدث التحوّل ببطءٍ شديد، في تفاصيل صغيرة لا تُحسب عادة: في موقفٍ صامت اخترنا فيه السلامة بدل المواجهة، في فكرة راودتنا طويلًا ولم نجد الشجاعة لاتباعها، في خيبةٍ مرّت دون دموع لكنها استقرت في الداخل. هذه اللحظات لا تُصنّف كأحداث، لكنها تشكّلنا أكثر من أي منعطف كبير، لأنها تتسلل دون مقاومة، وتعيد ترتيبنا من الداخل ونحن نظن أننا بخير. الكتابة هنا لا تأتي كفعل إبداعي فقط، ولا كمهارة تُت...

اللغة وصناعة المعنى

في يومنا هذا ومنذ الأزل لم تكن اللغة في يومٍ من الأيام أداة تواصلٍ فحسب نعيش بها أيامنا ووسيلةٍ لها، بل كانت منذ بداياتها محاولةً إنسانية لترويض الوجود. فالعالم، في صورته الأولى والأزليّة، كان فائضًا عن الفهم ومليئًا به، متشابكًا، غامضًا، وصعبًا للتعاطي معه حيث أنه لا يمنح نفسه بسهولة وبصورة واضحة.  فجاءت اللغة كمحاولة لمعالجة هذه المشكلة، حيث أنها جاءت لا لتشرح هذا العالم بقدر ما تمنح الإنسان قدرةً على الوقوف داخله دون أن ينهار. حين سمّى الإنسان الأشياء، لم يكن يكتفي بالإشارة إليها، بل كان يضع حدًّا للفوضى التي تسكنها. الاسم لم يكن وصفًا، بل كان نوعًا من السيطرة الرمزية؛ فالخوف حين يُسمّى يصبح قابلًا للاحتمال، والحزن حين يُنطق لا يعود صامتًا في الصدر. اللغة، بهذا المعنى، لم تكن رفاهية عقلية، بل ضرورة وجودية. غير أن اللغة، في الوقت ذاته، ليست بريئة. فهي لا تنقل الواقع كما هو، بل تعيد تشكيله وفق حدودها. الكلمات لا تحتضن التجربة كاملة ولا يمكن لها ذلك، وإنما تُقصي منها ما يعجز اللسان عن حمله. لذلك، لا يعيش الإنسان التجربة ذاتها حين يمرّ بها، وحين يحكيها؛ فبين الحدث وسرده مسافةٌ تصنعه...

الإنسان بين الفراغ والمعنى

إن مشكلة الإنسان في زمننا المعاصر ليس في قلّة ما يملك، بل في ضبابية ما يفهم. فالمعنى لم يختفِ من الحياة، لكنه تراجع أمام الضجيج، وعدم الوضوح، وأصبح الوصول إليه يحتاج وعيًا وفهمًا وتركيزًا أكثر من الحاجة إلى جهد. منذ أن بدأ الإنسان يفكّر، وهو يسأل: لماذا نعيش؟ ما المعنى الجوهري من هذا كله؟  ولم يكن هذا السؤال ترفًا فكريًا، بل محاولة نجاة وجاهزية عالية لشيءٍ قادم أقوى.  فحين يغيب المعنى، يتحوّل العيش إلى تكرارٍ مُنهك، وتصبح الأيام متشابهة ومملة، مهما اختلفت تفاصيلها. الفراغ ليس فراغ الوقت، بل فراغ الفهم، والاعتياد.  قد يكون الإنسان مشغولًا طوال يومه، محاطًا بالناس، متصلًا بالعالم، ومع ذلك يشعر بثقلٍ داخليّ لا يعرف له سببًا. ذلك الثقل هو نتيجة العيش دون إدراك واضح لِما يفعل ولماذا يفعله. المعنى لا يُمنح من الخارج، ولا يُفرض بالقوة. إنه يُبنى ببطء، عبر التأمل، والمراجعة الذاتية، والقدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، الذي من خلالها يُبنى كل شيء بطرق سليمة ومركّزة.  فالأسئلة الواضحة، حتى دون إجابة، أكثر فائدة من إجابات جاهزة لا تشبهنا. كثيرون يظنون أن السعادة في الوصول، بينما ا...

من أنا ؟

  مَن أنا؟ محسن الفايز. لديّ الكثير ممّا يضجّ في داخلي، وكانت الكتابة — ولا تزال — الوسيلة الوحيدة التي تمنح هذا الداخل صوته. لا أكتب ترفًا، ولا أدوّن عبثًا، بل لأن الكلمة حين تُكتب بصدق، تُنقذ شيئًا ما في صاحبها. ما الذي أؤمن به؟ أهتم بالفكر، وأميل إلى الفلسفة، وأتأمل القانون بوصفه انعكاسًا للإنسان قبل أن يكون نصوصًا جامدة. أؤمن أن الأسئلة أهم من الإجابات، وأن التفكير فعل شجاعة، وأن الكتابة ليست ترفًا ثقافيًا، بل حاجة إنسانية. عن هذه المدونة هذه المدونة مساحة تُعنى بالقضايا التأملية والفكرية ، وبالأسئلة العميقة التي تمسّ الإنسان في فكره ووعيه وحياته. هنا أكتب بتأنٍ، وأترك للكلمة أن تأخذ وقتها، بعيدًا عن الضجيج والاستعجال. لمن هذه المساحة؟ لكل من يرى في القراءة ملاذًا، ولكل من يبحث عن نصٍّ هادئ في عالمٍ صاخب، ولكل من يؤمن أن للكلمة أثرًا… وإن تأخّر. بيانات التواصل 📧 البريد الإلكتروني: mhsan8493@gmail.com 📞 رقم التواصل: 0506601649 𝕏 منصة إكس: Mohsin_alfayez

السياسة والخصوصية

 سياسة الخصوصية لمدونة محسن الفايز في مدونة محسن الفايز، المتاحة عبر (https://www.google.com/search?q=mohsial.blogspot.com)، نولي أهمية كبرى لخصوصية زوارنا. توضح هذه الوثيقة أنواع المعلومات الشخصية التي نجمعها وكيفية استخدامها. ملفات تعريف الارتباط (Cookies) مثل أي موقع آخر، تستخدم مدونتنا "ملفات تعريف الارتباط" لتخزين معلومات حول تفضيلات الزوار، ولتسجيل معلومات محددة حول الصفحات التي يزورها المستخدم، وذلك بهدف تحسين تجربة القراءة وتخصيص المحتوى. جوجل أدسنس (Google AdSense) تستخدم شركة جوجل، كطرف ثالث، ملفات تعريف الارتباط لعرض الإعلانات على مدونتنا. استخدام جوجل لملف تعريف الارتباط (DART) يتيح لها عرض الإعلانات للمستخدمين استناداً إلى زيارتهم لمدونتنا ومواقع أخرى على الإنترنت. يمكن للزوار اختيار عدم استخدام ملف تعريف الارتباط (DART) عن طريق زيارة سياسة الخصوصية الخاصة بإعلانات جوجل وشبكة المحتوى. سجل البيانات (Log Files) نحن نتبع إجراءً قياسياً لاستخدام ملفات السجل. تتضمن المعلومات التي نجمعها: عناوين بروتوكول الإنترنت (IP)، نوع المتصفح، مزود خدمة الإنترنت (ISP)، تاريخ ووقت ...

عامٌ جديد والزمن كما نراه نحن

مع بداية كل عام، نستذكر تلك المشاهد الكثيرة خلال العام، وهذا المشهد يتكرر ذاته، أرقام تتبدل وتتغير، تقاويم تُنسى وتطوى، ووعود وأهداف نكتبها وكأن الزمن صفحة جديدة تمامًا. لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس: ماذا سيحدث هذا العام؟ بل: كيف سنراه؟ فالزمن في جوهره الثمين، لا يتغير ولا يمكن له ذلك، بل نحن الذين نتغير في طريقة التعاطي معه، كالوقوف أمامه وغيرها الكثير من السلوكيات.  نعلّق آمالنا على رقمٍ جديد، لا لأن العام مختلف، بل لأننا نحتاج شعور البداية، وكأننا نحتاج بما يسمى وهم «الفرصة الجديدة» كي نعيد ترتيب ذواتنا. حيث إن الفلسفة تُشرّح هذا الفكرة وتقول إن الزمن ليس مجرد تسلسلٍ للأيام، بل تجربة داخلية يعيشها الإنسان بوعيه. الماضي لا يعود كما كان، بل كما نتذكره، والمستقبل لا يأتي كما نتخيله، بل كما نتهيأ له. أما الحاضر، تلك اللحظة التي نعيشها الآن، فهي الهشة الوحيدة التي نملكها، ومع ذلك نكاد نهملها. ولكن مع ذلك مع بداية كل عام جديد، نميل إلى مراجعة ذواتنا، ونميل إلى تلك البدايات والشعور بها، ونخاطب أنفسنا عدة أسئلة منها:  ماذا كنا؟ وماذا صرنا؟ وماذا نريد أن نكون؟ لكن هذه الأسئ...