المشاركات

حين يعود الإنسان أخفَّ مما ذهب

هنالك رحلات تبقى محبوسة في ذاكرتنا ولا يمكن للإنسان أن يعود كما كان، ليس  ليس لأن الطريق طويل، ولا لأن الأمكنة بعيدة، بل لأن شيئًا ما في الداخل قد تبدَّل. كأن الروح أعادت ترتيب شيئًا ما  قديمًا بداخلها ، ونفضت عنها غبارًا تراكم عبر الأيام دون أن تشعر به. ثمة أسفارٌ تُضيف إلى الإنسان أشياء جديدة، وأسفارٌ أخرى تُعلَّمه أشياءً وقناعات وتجارب جديدة لا يعلم بها. وفي ظني أن أجمل التحولات ليست تلك التي تجعلنا أكثر امتلاءً، بل تلك التي تجعلنا أخفّ حملًا، وأهدأ قلبًا، وأقلَّ انشغالًا بما لا يستحق. بعد كل تجربة عميقة، يعود المرء إلى تفاصيله المعتادة: إلى بيته، وعمله، وأصدقائه، وأحاديثه اليومية. لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا رأى؟ بل: ماذا أبقى معه مما رأى؟ إن اللحظات الجميلة والمثمرة في حياتنا، لا تُقاس بالوقت ولا الزمان ولا أي شيءٍ آخر، وإنما الأثر، الأثر هو كل شيء. وهل استطاعت أن تغيّر شيئًا في نظرتنا للأشياء، أو في طريقتنا مع الناس، أو في علاقتنا بأنفسنا. لعل أجمل ما تمنحه بعض الرحلات للإنسان أنها تذكّره بحقيقته البسيطة؛ أنه مهما أثقلته الأيام، يظل قادرًا على أن يبدأ من جديد، وأن يفتح ...

الإنسان لا يتعب فجأة

هناك نوع من التعب لا علاقة له بالسهر ولا الممارسة الطويلة بالشيء الذي تعمل به، ولا يزول بالنوم، ولا يظهر في ملامح الوجه بوضوح. تعبٌ يأتي من كثرة ما يحمله الإنسان في داخله دون أن يتحدث. من الأسئلة المؤجلة، والمشاعر المؤجلة، والكلمات التي قررنا ابتلاعها لأن الوقت لم يكن مناسبًا، أو لأننا اعتدنا أن نقول لأنفسنا: لاحقًا سوف يأتي وقتها. الغريب أن الإنسان قادر على الاستمرار بصورة مدهشة. يستطيع أن يذهب لعمله، ينجز مهامه بكل يسر، يبتسم للآخرين ويمكن له أن يفعل ذلك دون تكلف، يرد على الرسائل، ويبدو طبيعيًا تمامًا، بينما يحمل داخله فوضى كاملة. لهذا يبدو الحكم على البشر من ظواهرهم أمرًا مضللًا؛ لأن أكثر المعارك ضجيجًا هي التي تحدث بصمت. ربما لهذا السبب لا ينهار الإنسان دائمًا عند أول صدمة، بل ينهار أحيانًا بعد فترة طويلة جدًا، حين تتراكم الأشياء الصغيرة التي ظن أنها لا تؤثر. كلمة تجاوزها، شعور أخفاه، موقف تجاهله، وخيبة أقنع نفسه بأنها عابرة. حتى يصل إلى لحظة لا يفهم فيها سبب ثقله المفاجئ، بينما الحقيقة أن ما يشعر به لم يكن وليد لحظة واحدة، بل نتيجة تراكم طويل لم يمنح نفسه فرصة ليفهمه.

هل الإنسان كائن يكتشف ذاته أم يصنعها ؟

منذ نشأة الخليقة والإنسان بدأ يتفحَّص ذاته أكثر، يتمعن بها دون النظر إلى العالم والعوام من حوله، وكأنه باحثًا عن شيء أكبر من الإنسان.  لربما من خلال قراءة التاريخ الإنساني ومعرفة التجارب وقراءة السير الذاتية في كل أنحاء العالم، من أكثر الأسئلة تعقيدًا وصعوبة، حيث تلك تقودك إلى بحثًا عن الجواب كل حياتك.  وهي البحث عن الذات، من أنا ؟ وكيف أصبحت هذا الشخص الذي أبدو عليه اليوم؟ ما هي الغاية من كل هذا؟ باعتقادي أن مثل هذه الأسئلة بالنسبة لجزء من الناس، هي في الحقيقة بسيطة وسهلة ولا يستدعي هذا الأمر بالكثير مما ذُكر، لكن خلف هذه الأسئلة سؤال أعمق وأكثر غموضًا: هل أمتلك ذاتًا حقيقية موجودة داخلي منذ البداية وأقضي عمري في اكتشافها؟ أم أنني لا أملك شيئًا ثابتًا أصلًا، وأنني أقوم بصناعة نفسي خطوة بعد خطوة؟ مما يُنظر إلى هذه الأسئلة أنها ليست ترفًا وفراغًا يعيش به الإنسان، حيث نعيش آثاره كل يوم أن ننتبه، ودون أن نشعر.  ولكن سؤال تدوينة هذا الأسبوع فهل الإنسان يكتشف نفسه أم يصنعها؟ الشيء الذي لا يمكن إنكاره أن داخل كل إنسان حقيقة كامنة وجاذبة ومدعاةً للتأمل والتفكَّر بها، وأن الحياة ...

الأقنعة التي ابتلعتنا

منذ نشأة الإنسان وبداية فهمه وإدراكه للعالم من حوله، تبدأ عدة محاولات لإبراز نفسه، ومن ضمن هذه هي كيف يبدو مقبولاً للعالم أجمع، كيف يكون مرغوبًا للجميع، كيف يمكن له أن يرضي الآخرين بكل التحديات التي يمرُّ بها.  تجده يلاحظ الآخرين، ويراقب ردود أفعالهم ووجهة نظرهم، أكثر من أن ينتبه لنفسه ويبحث عن ما يرضيها وما تشتهيها.  تجده جادًا في تصرفاته وحريص على كل ما يخرج منه بما يناسب الطرف الآخر، يتعلّم متى يضحك، ومتى يصمت، وكيف يخفي بعض أفكاره، وكيف يقدّم نسخة “مناسبة” لكل شخص يقابله. ومع الوقت، لا يعود الأمر تصنّعًا مؤقتًا بل يتحول إلى أسلوب حياة وروتين يومي يمارسه.  المشكلة ليست في أننا نرتدي الأقنعة، فالجميع يفعل ذلك بدرجات مختلفة.  المشكلة الحقيقية تبدأ حين يطول ارتداؤها لدرجة أننا ننسى ملامحنا الأصلية. كم مرة وافقنا على أشياء لا تشبهنا فقط حتى لا نخسر أحدًا؟ كم مرة أخفينا مشاعرنا لأن الصراحة قد تجعلنا أكثر مما ينبغي”؟ وكم مرة تظاهرنا بالقوة، بينما كان داخلنا يطلب المساعدة بصوت لا تريد أحد سماعه ؟ الغريب جدًا في قراءتي لهذا الموضوع أن الإنسان يخاف أن يكتشف نفسه، ولا يخاف ...

لماذا نخاف من النسخة الجديدة من أنفسنا ؟

هنالك لحظات في حياتنا لا نشعر بها أنها لحظة مفصلية وهامة، مثل أننا سوف نكون نسخة جديدة من أنفسنا.  نسخة لا نعرفها جيدًا، ولم نعتد ملامحها بعد. ولهذا يتردد، ويتراجع أحيانًا، ويؤجل كثيرًا هذا الأمر المفصل في حياته، ليس لأنه عاجز عن التغيير، بل لأنه يخشى ما سيصبح عليه بعده. نحن نظن غالبًا أن الإنسان يخاف من الفشل، بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. كثير من الناس لا يخافون من السقوط بقدر خوفهم من التحوّل غير المستعد له، وبالتالي هنالك مخاوف.  إن النجاح الحقيقي ليس بالإنجاز فقط، بل بالتغيير الداخلي الذي يحدث، من خلالها تتبدل الرؤى وعلاقاتك مع الآخرين. وهذا ما يجعل التغيير مرعبًا أحيانًا، لأنه لا يعدك بأن تبقى كما أنت. الإنسان بطبيعته يميل إلى النسخ التي اعتادها من نفسه، حتى وإن كانت متعبة. يألف ضعفه، ويعتاد فوضاه، ويتصالح مع عيوبه القديمة بطريقة غريبة. ولهذا حين تبدأ الحياة بدفعه نحو نسخة أكثر وعيًا، أو أكثر مسؤولية، يشعر بشيء من القلق، كأن جزءًا منه يُنتزع دون دراية وشعور كامل يشعر به.  قد يشتاق الإنسان أحيانًا إلى أيام كان أقل فهمًا، لا لأنها أجمل، بل لأنها أخف وأقل وطأة على ذ...

العلاقات التي لا يفسدها الصمت

هنالك علاقات في حياتنا، لا تنمو بكثرة الحديث ولا بطول المجالس، وإنما تنمو بهدوء وبثقة وتعيش في القلب دون تكلَّف.  نعتاد في حياتنا أن نقيس العلاقة القريبة بمقدار الكلام والأحاديث الطويلة، وأن نربط المحبة بطول العمق، وأن نظن أن الصمت علامة تدل على الخطأ أو يدخل بها الريب، بينما الحقيقة أحيانًا تسير في الاتجاه الآخر تمامًا. فبعض الأشخاص لا يحتاجون إلى كثير من العبارات كي يطمئنوا إلينا، ولا إلى شرح طويل ليفهموا ما نعنيه، لأن بين الأرواح لغة أخرى لا تُدرَّس، ولا تُترجم، لكنها تُفهم هكذا دون مشقَّةً في التواصل.  قد تجلس مع شخص لساعات دون حديث يُذكر، ومع ذلك تشعر براحة لا تمنحك إياها أحاديث طويلة مع آخرين. وقد يمرّ أحدهم فيسأل سؤالًا بسيطًا، لكنه يحمل من الاهتمام ما لا تحمله الخطب المطوّلة. هنا ندرك أن العلاقة ليست في الكلمات نفسها، بل في المعنى الذي تحمله، وفي الصدق الذي يسكن خلفها. الصمت ليس دائمًا فراغًا كما نظن، بل قد يكون مساحة مليئة في الطرف الآخر من العلاقة، قد يكون احتواءً للأمر وقد يكون نوع من أنواع الاحترام، وكل ذلك يقاس في أحداث مختلفة.  العلاقات الحقيقية لا تُرهقك بإ...

ليس نسيانًا بل اتساعًا

عن تفكيك النسيان الذي دائمًا ما أخوض به وأحاول تشريح هذا المفهوم، من خلال أحداث حياتيَّة لربما أصابتني بداء هذا الأمر.  لا يحدث النسيان كما نظن ونعتقد، بل نحن نحاول الهروب من المشاعر والذكريات التي نودُّ ان تندثر وكأنها لم توجد، كل مافي الأمر أننا نحاول كيف نبعدها عن الواجهة، كيف نعيش دون أن تستحوذ علينا، كيف نستمر رغم حضورها الخافت.  نحن لا ننسى، نحن نعيد ترتيب ما حدث وفق ما نريده من رغبات. إننا نمنح النسيان مكانًا أقل صخبًا داخلنا، نُسكنه زاوية لا تصلها تفاصيل يومنا، ونمضي.  دائما في البدايات، كل شيء يبدو جميلاً للغاية ونحاول ألا نغادر هذا المشهد الجميل في حياتنا، حتى تدخل التفاصيل التي لا يرغبها المرء، تلك التفاصيل التي أن تمكنت من شيء غلبته سوء وكدر.  ورغم ذلك إلا أن الألم يأخذ حجمه الكامل، الذكريات تحضر بكل تفاصيلها، واللحظات تعود وكأنها لم تنتهِ. نحاول أن نهرب، أن نُقنع أنفسنا بأننا تجاوزنا، لكن الحقيقة أننا فقط في مرحلة المواجهة الأولى.  ومع الوقت والأحداث اليوميَّة يتغير شيء ما. ليس الحدث، ولا الذكرى، ولا حتى الشعور ذاته. الذي يتغير هو نحن. نصبح أوسع من ...