المشاركات

وهم المعرفة الكاملة: لماذا نعتقد أننا نعرف أكثر مما نعرف؟

قبل سنوات في طفولتي الرائعة وأنا أجمع الكتب وأتصفحها، رغبةً في امتلاك ومعرفةً جميع العلوم الدنيوية، كنت أظن بامكاني معرفة كل التفاصيل في هذا الكون. من خلال قراءة تلك الصفحات وتناول تلك الكتب. كنت أعتقد أن كثرة المعلومات تجعل الإنسان أكثر قدرة على فهم الأشياء، وفهم كل شيء حوله. وأن سرعة الإجابة عن الأسئلة علامة على سعة المعرفة وكبرها. لكنني اكتشفت مع الوقت أن المسألة أعقد من ذلك بكثير؛ فقد يعرف الإنسان أسماء الأشياء وتعريفاتها، ويستطيع الحديث عنها بثقة، ثم يعجز عن تفسير أبسط تفاصيلها عندما يُطلب منه ذلك. ولعل أغرب ما في المعرفة أنها تمنحنا أحيانًا شعورًا بالاكتفاء قبل أن نبلغ مرحلة الفهم الحقيقي. وكأنك تتناول وجبةً شهيةً، وتتوقف في منتصفها.  مثلاً نقرأ مقالًا، أو نستمع إلى محاضرة، أو نشاهد مقطعًا يشرح ظاهرة معينة، فنخرج بانطباع أننا أصبحنا نعرف الموضوع. لكن هل نعرفه فعلًا، أم أننا نعرف فقط ما يكفي للحديث عنه؟، وهذا فرق شاسع بينهما!  أنت في الحقيقة ليس مطالب منك معرفة كل شيء، وليس واجبًا أن تعرف تلك التفسيرات الكونية، وكيف نشأت، وقبل كم، ولماذا نشأت أصلاً؟ ، نحن لسنا مطالبين بمع...

التكييف القانوني: كيف نقرأ الواقعة قبل أن نحكم عليها؟

من أكثر الأمور التي استوقفتني خلال دراسة القانون أن الواقعة الواحدة قد تتغير قراءتنا القانونية لها بمجرد ظهور تفصيل لم نكن نعرفه. قد نستمع إلى شخص يروي خلافًا ماليًا، فنظن أن المسألة واضحة، وأن تحديد المسؤولية لا يحتاج إلى كثير من البحث. لكن ما إن نطّلع على اتفاق سابق بين الطرفين، أو مراسلات تكشف طبيعة العلاقة بينهما، حتى نكتشف أن تصورنا الأول لم يكن مكتملًا. وهنا تظهر إحدى المهارات الأساسية في التفكير القانوني: ألا نتعجل إعطاء الواقعة وصفًا قبل فهم عناصرها. فالقانون لا يقوم على الانطباعات الشخصية وحدها، ولا يكفي فيه أن نعرف ما حدث بصورة عامة، بل ينبغي أن نفهم كيف حدث، وفي أي سياق، وما العلاقة بين أطرافه، وما القواعد القانونية التي يمكن تطبيقها عليه. ومن هنا تأتي أهمية التكييف القانوني . أولًا: ما المقصود بالتكييف القانوني؟ التكييف القانوني هو عملية تحديد الوصف القانوني المناسب لواقعة أو علاقة معينة، في ضوء عناصرها والقواعد النظامية التي تحكمها. وبعبارة أبسط، فإننا نحاول الانتقال من السؤال: «ماذا حدث؟» إلى سؤال آخر: «كيف ينظر النظام إلى ما حدث؟». وهناك فرق بين السؤالين. فمعرفة أن شخصًا...

التحليل النفسي من منظور فلسفي: هل يعرف الإنسان نفسه حقًا؟

منذ أن بدأ الإنسان يتأمل وجوده ويحاول فهم العالم من حوله، ظلت النفس البشرية من أكثر الموضوعات إثارة للأسئلة الفلسفية والعلمية. فقد استطاع الإنسان تفسير كثير من الظواهر الطبيعية، وتوصل عبر قرون من البحث إلى اكتشافات غيّرت فهمه للكون، وصولًا إلى عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الذي نشهد تطوره المتسارع اليوم. ومع ذلك، فإن هذا التقدم لم يجعل معرفة الإنسان بنفسه مسألة محسومة. فقد نفهم كيفية عمل بعض الأجهزة المعقدة، ونتعرف إلى قوانين تحكم ظواهر بعيدة عنا، ثم نجد صعوبة في تفسير تصرف صدر منا في لحظة غضب، أو رغبة تكررت رغم محاولاتنا التخلص منها، أو قرار اتخذناه دون أن نعرف جميع الأسباب التي دفعتنا إليه. وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل يعرف الإنسان نفسه فعلًا، أم أنه يعرف الصورة التي كوّنها عن نفسه؟ هذا السؤال يقودنا إلى منطقة تتقاطع فيها الفلسفة مع التحليل النفسي، حيث يصبح فهم الإنسان لذاته موضوعًا يتجاوز وصف السلوك إلى البحث في الدوافع والوعي والحرية والهوية. الفلسفة والتحليل النفسي: من أين يبدأ السؤال؟ اهتمت الفلسفة منذ نشأتها بأسئلة تتعلق بطبيعة الإنسان، ومعنى الوعي، وحدود المعرفة، والعلاق...

هل نبحث عن الحقيقة، أم عمَّا يطمئننا؟

أثناء بحثنا عن تلك المعلومات والأحداث التي نعمل على فهمها، وفهم حقيقتها. وعلى العكس تمامًا هنالك من ولدت فيه المعلومة منذ نشأته، أي بمعنى ليس كلُّ ما نصدّقه قد وصل إلينا بعد رحلةٍ طويلة من البحث؛ بعض الأفكار وُلدت فينا مبكرًا، ثم كبرت معنا حتى بدت كأنها جزءٌ من طبيعتنا وحياتنا. نألفها، ونتفحص فيها، ونستند إليها، ونبني حولها تفسيرنا للأحداث والوقائع من حولنا. ومع مرور الوقت، قد يصبح السؤال عنها أثقل وأصعب من التمسك بها. للحقيقة كلفةٌ لا تظهر في الكتب ومنصات التواصل الاجتماعي: قد تطلب من الإنسان أن يعيد النظر في رأيٍ دافع عنه طويلًا، أو أن يعترف بأن فهمه كان ناقصًا، أو أن يواجه واقعًا تمنّى لو كان مختلفًا. لذلك تميل النفس أحيانًا إلى الفكرة التي تمنحها سكينةً عاجلة ومطمئنة يطمئن من خلالها الإنسان، ويبتعد عن الفكرة التي تزعزع ترتيبه وكيانه الداخلي. ومن هنا يختلط طلب الحقيقة بطلب الطمأنينة. كما ذكرت هنالك نوعان في هذا العالم.  نقرأ ما يؤيد تصوراتنا، ونصغي أكثر لمن يشبهنا حتى في جانب العلاقات قد تجدنا أحيانًا ندافع عن أشخاص ليس معهم الحقيقة، ونفسّر الوقائع بطريقةٍ تحفظ قصتنا عن أنفسنا. ...

من أين تأتي قناعاتنا؟ وكيف تتشكل الأفكار التي نؤمن بها؟

كنت أظن أن قناعات الإنسان تنشأ حين يفكر في أمر طويلًا، ويتأمل جوانبه المختلفة، ثم يختار موقفه منه بناءً على ما توصل إليه من نتائج. لكنني حين حاولت أن أتذكر كيف تكوّنت بعض آرائي، لم أجد دائمًا لحظة واضحة اتخذت فيها قرارًا بالاقتناع. وجدت عبارات سمعتها كثيرًا في البيت، وأفكارًا ترددت بين الأصدقاء، وأحكامًا قرأتها حتى أصبحت مألوفة لدي. دخلت حياتي شيئًا فشيئًا، ثم وجدتني مع مرور الوقت أعبّر عنها بصوتي، وأدافع عن بعضها كما لو أنني توصلت إليها وحدي. ومن هنا بدأت أتساءل: كم فكرة نؤمن بها اليوم اخترناها بعد تفكير مستقل، وكم فكرة ورثناها دون أن ننتبه إلى الطريقة التي استقرت بها في أذهاننا؟ لا أرى أن تأثر الإنسان ببيئته أمر سلبي في ذاته؛ فمن الطبيعي أن نتعلم من الآخرين، وأن نستفيد من خبراتهم، وأن تتشكل أفكارنا الأولى داخل المجتمع الذي ننتمي إليه. لكن ما يستحق التأمل هو أن بعض هذه الأفكار تتحول مع الوقت إلى قناعات راسخة، حتى إننا قد ننسى الظروف التي نشأت فيها. البيئة الأولى: الأفكار التي نتعلمها قبل أن نسأل عنها نرث من بيئاتنا أكثر مما ننتبه إليه. نتعلم منذ الصغر ما الذي يُعد نجاحًا، وما الأعمال ...

في مديح مهنة الإعلام

منذ ممارستي لمهنة الإعلام والكثير من الأشياء عرفتها، وتغيَّرت من حولي. الكثير من النصوص لم أقرأها قراءة عادية، تمامًا تلك النصوص الرسمية التي تخرج من جهة ذات مسؤولية عالية، سواءً جهةً رسمية أو تشريعية أو إبداعية، وإنما أتفحَّص بها من جانب إعلامي مهنيَّ، ما الذي يُميَّز هذا النص ؟ ما الشيء المختلف فيه عن بقيَّة النصوص ؟ ما الذي ينقصه ؟ ما الممارسة الخاطئة التي عملوها ؟ ، وحتى في الجانب الأسلوبي والنحوي والإملائي أتفحَّص هذا الأمر.  وباعتقادي أن ما ذكرته يأتي من طابع ممارساتي أكثر، تجد كلاًّ في مجاله وتخصصه، تجد القانوني يقرأ تلك الأحرف التي ترمز إلى العدالة والحقوق والحريات، وإعطاء المواطن حقه في الأشياء الأساسية مثلاً أو في مطالباته التي يستحقها.  وآخرون قد ينظرون إلى الإعلام أنه جانب حساس للغاية، ويملؤه تلك المخاطر التي تحيط به. بينما تجد الممارس للإعلام، يمارس المهنة بكل سلاسة وسهولة، ودون تكلفةً عليه في الجانب العملي. وهنا تكمن قوة الإعلام.  إن قراءة تلك النصوص، أو حتى مشاهدة المرئيات، تكمن قوتها أو بساطتها بعين مشاهدها، فهو الذي يقرر هل هذا الشيء جيدًا بما فيه الكفاية...

هل نختار أفكارنا فعلاً ؟

نعيش غالبًا في هذه الحياة وزحمتها بأحداثها الكثيرة وأفكارها التي لا تنتهي، ونحن نظن أن أفكارنا تخصنا تمامًا، وأن آراءنا نتيجة ما رأيناه وفكرنا فيه وقررناه بأنفسنا. غير أن السؤال الأكثر إثارة هو: كم فكرة في عقولنا اخترناها فعلًا؟ منذ سنواتنا الأولى بتشكيلاتنا وبداياتها، يبدأ العالم بوضع أشيائه الصغيرة داخلنا كلما خضنا شيءٍ ما؛ كلمات نسمعها، وأحكام تتكرر أمامنا، وتجارب نمر بها، وأشخاص نثق بهم، وبيئة نتأثر بها. تتراكم كل هذه الأشياء بهدوء، حتى تصبح جزءًا من الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة. ولهذا قد نحب شيئًا دون أن نعرف بداية هذا الحب ولا نعرف ماهيته، ونرفض آخر دون تجربة حقيقية، ونكوّن انطباعًا عن شخص أو مكان أو فكرة قبل أن نمنح أنفسنا فرصة اكتشافها. الأغرب أن الإنسان لا يستقبل الأفكار فقط، وإنما يخوض بها أحيانًا عمّا يؤكد الأفكار الموجودة لديه أصلًا ؟ أم لا. يقرأ ما يوافقه، ويطمئن لمن يشبه رأيه، ويلتقط من الأحداث ما يدعم الصورة والمشهد الذي تم تكوينه سابقًا. وهنا تصبح الفكرة واضحة بما يريده الذات؛ نعتقد شيئًا، ثم نرى العالم من خلاله، ثم نستخدم ما رأيناه دليلًا على صحة ما اعتقدناه.