المشاركات

ما يفعله التكرار بنا !

نحن عادةً نظن أن حياتنا تتشكل في القرارات الكبرى التي تحدث في حياتنا مثل التخصص الذي اخترناه، الوظيفة التي قبلناها، المدينة التي انتقلنا إليها، والأشخاص الذين قررنا أن نكمل الطريق معهم. ومن ثم نعود إلى هذه القرارات كلما أردنا تفسير ما أصبحنا عليه، ونمنحها الجزء الأكبر من من حياتنا، مع أن جزءًا كبيرًا منا تشكّل في أماكن أصغر بكثير، في أشياء لم نتوقع يومًا لنسميها قرارات ذات أثر عالي في مصيرنا!  مثل يومنا البسيط مثل الطريقة التي نبدأ بها صباحنا، في أول شيء نفعله عندما نشعر بالملل، في الكلمات التي نكررها، في الطريق الذي نسلكه كل يوم، في الأشخاص الذين نعود إليهم، وفي تلك التفاصيل الصغيرة التي فعلناها مرات كثيرة حتى توقفت عن مطالبتنا بالتفكير. إنها العادة تلك هي التي تحكمنا.  والعادة في أبسط صورها ليست سوى فعل وجد طريقه إلى التكرار، ثم استقر. في المرة الأولى نفكر فيه، وفي المرات التالية نحتاج إلى قدر أقل من التفكير، وبعد زمن يصبح جزءًا مألوفًا من يومنا. ولهذا تبدو بعض أفعالنا وكأنها تحدث وحدها؛ اليد التي تمتد إلى الهاتف فور الاستيقاظ، القهوة في ساعة محددة، الطريق نفسه إلى العمل، أو...

لماذا يحتاج الإنسان إلى المعنى؟

يستطيع الإنسان أن يعرف كيف يعيش، ومع ذلك يبقى عاجزًا أمام سؤال واحد: لماذا؟ نعرف كيف نعمل، وكيف نتعلم، وكيف نبني، وكيف نعبر أيامنا من صباح إلى آخر، ونملك من المعرفة ما يفسر وجودنا ولو بشكلٍ بسيط، ونعرف كل ما يرتبط بنا من مهامٍ وتخصصية. ومع ذلك لم تستطع كل هذه المعرفة أن تُسقط السؤال القديم الذي لم يكن قديمًا في ذواتنا، لما له من حضور قوي بداخلنا: ما الذي يجعل هذه الحياة جديرة بأن تُعاش؟ ربما تكمن غرابة الإنسان هنا تحديدًا بشكلٍ دقيق حتى يُفهم القول الذي أريد أن إيصاله بصوره واضحة؛ حيث أن الإنسان هو الكائن الذي لا يكفيه أن تحدث الأشياء، وإنما يريد منها أن تعني شيئًا مت لا يكفيه أن يفشل، بل يريد أن يعرف لماذا فشل، ولا يكفيه أن يتألم، فيبحث عما يعنيه هذا الألم، وحتى النجاح لا ينجو من السؤال؛ فما إن تهدأ حماسة النجاح،  ومن ثم يأتيه ذلك الصوت ماذا بعد ؟ ما الخطوة القادمة ؟ ماذا بعد النجاح؟ كأننا لا نعيش بالأحداث وحدها، وإنما بالمعاني التي نمنحها لها. لهذا لم يكن غريبًا أن يضع فيكتور فرانكل المعنى في قلب فهمه للإنسان. لم يصل فرانكل إلى فكرته من غرفة هادئة، وإنما من واحدة من أقسى التجارب ...

لماذا نُكمل ما لم يعد يشبهنا؟

باعتقادي الشخصي أرى أن الإنسان لا يغادر تلك الأشياء بسهولة، حتى وإن قال ذلك، ولو بعد أن يغادرها شعوريًا. يبقى فيها زمنًا وفكرةً إضافية لا يمكن لها المغادرة.  ولكن رغم ذلك نحن لا نعيش بعقلٍ واحد طوال العمر. تتبدل رؤيتنا كلما اتسعت التجربة والممارسة، وتتغير رغباتنا كلما عرفنا أنفسنا أكثر وتفحصناها، ومع ذلك نظل أحيانًا أسرى لقرارات اتخذتها نسخ سابقة منا، وبم تغادرنا تلك القرارات رغم تبدل الشخصية والقناعات المتشبث بها سابقًا، كأن الإنسان مطالب بأن يكون وفيًّا لماضيه، حتى لو كان ثمن هذا الوفاء أن يخون حاضره. ولعل أكثر ما يجعلنا نستمر هو خوفنا من أن يصبح ما مضى بلا معنى، وكأنك تخاطب نفسك أنك مضيت بكل هذه الخطوات دون فائدة؟ وننسى أن المسافة التي قطعناها لا تجعل الوجهة صحيحة، وأن السنوات التي منحناها لشيء ما لا تمنحه حقًا أبديًا وأزليًا في السنوات القادمة، وكأن لدينا اليقين الكامل في الأشياء أنها تمضي في الطريق الصحيح، وهذا باطل.  ثمة فارق شاسع ودقيق بين الثبات والجمود؛ فالثبات أن تعرف لماذا بقيت، والجمود أن تبقى لأنك لا تعرف كيف تغادر، وهذه فارق عن هذا وكلاهما لديه اختلافات ورؤى مختل...

الحياة التي تحدث على الهامش

ثمة جزءٌ كبير من الحياة يمضي دون أن نمنحه ما يستحق من الانتباه، لا لأنه قليل الأهمية، وإنما لأننا اعتدنا أن نقيس قيمة أيامنا بما يحدث فيها من تحولات واضحة. نلتفت إلى ما يغيّر اتجاهنا، ونتذكر ما يصنع فارقًا ظاهرًا، ونترك ما بين ذلك يمر وكأنه مساحة لا تستحق الوقوف عندها، وتلك التفاصيل الصغيرة لا ننظر لها بتاتًا، وكأنه شيءٍ ثانوي لا يستدعي التوقف عنده.  وربما كان هذا أحد أكثر تصوراتنا غرابة عن الحياة؛ أن نظن أن قيمتها تكمن في لحظاتها الكبرى وحدها، وهذه نظرة شمولية جماعية ننظر لها، وكأن الأمر هكذا فعلاً!  فالإنسان لا يتشكل فقط بما حققه، وإنما بما سعى له وركض خلف الاتجاه، وبما مرَّ به أثناء الطريق من صدماتٍ ومعارف وقناعات اكتسبها. ثمة أشياء تعمل في أعماقنا بهدوء، تغيّر رؤيتنا، وتعيد ترتيب أولوياتنا، وتمنحنا فهمًا مختلفًا لأنفسنا والعالم، دون أن نستطيع تحديد اللحظة التي بدأ فيها كل ذلك. لا يحدث النضج في يومٍ محدد، ولا نستيقظ فجأة وقد أصبحنا نسخة أخرى من أنفسنا. التحولات الحقيقية غالبًا بطيئة وتنمو على مهلٍ شديد، إلى درجة أننا لا نراها وهي تحدث. تمر الأيام والساعات، وتتراكم التجارب، ...

لماذا نُرهق أنفسنا بمحاولة فهم كل شيء؟

لطالما أتسائل بيني وبين نفسي، لما نحاول فهم كل شيء؟، هل الأمر يستحق هذه الضرورة الكبرى التي من خلالها لا بد معرفة كل شيء؟ أم أن هنالك خيارًا متاحًا دون أن يكون واجبًا علينا.  أعتقد كل منا ثمة أشياء كثيرة تمرُّ في حياتنا وتنتهي في الواقع، لكنها لا تنتهي في داخلنا؛ مثل المواقف العابرة التي لم تستعد لها، كلمةٌ قيلت في وقتٍ لم تكن مستعد له، شخصٌ اختار أن يتغير طبعه وعلاقته معك، علاقةٌ تنطفئ بهدوء لم تشعر بها، فرص مرت باعتقادنا أنها لنا، أو مسار مضيت به حتى شعرت أن المسار ليس مسارك، إنك في الطريق الخطأ. تنتهي الحكاية في ظاهرها، ويواصل كل شيء سيره الطبيعي، إلا أننا نبقى واقفين عندها، نحاول أن نفهم: لماذا حدث ذلك؟ ربما لا يتعب الإنسان من الأحداث بقدر ما يتعب من محاولته المستمرة لتفسيرها. فنحن لا نرضى دائمًا بأن نقول إن شيئًا ما حدث وانتهى، بل نريد أن نعرف السبب، وأن نعثر على اللحظة التي تغيّر عندها كل شيء، وأن نعود إلى التفاصيل القديمة بحثًا عن شيءٍ لم ننتبه له. نستعيد الكلمات ونراجع المواقف، ونمنح الصمت احتمالات كثيرة، ونقرأ بعض الذكريات كما لو أنها وثائق قضية قديمة ما زلنا نبحث فيها عن ...

لماذا يبدأ الجميع ولا يكمل إلا القليل؟

أعتقد كل منا لديه مشروعه وقضيته الخاصة، أو ربما وضع خطته ويعيش الآن كيف يمكن تفعيلها بأفضل صورة، ولكن لا بد أن نتفق على فكرة أن التخطيط لمشاريعنا والعمل عليها في البدء، شيء في غاية السهولة، إذ أنها ترتبط بحماسٌ كبير، وأحلامٌ واسعة، وتوقعات متفائلة جدًا، لكن مع مرور الأيام يتبدّل المشهد؛ فيتراجع الحماس، وتزداد التحديات، ويبدأ كثيرون بالتوقف، حتى يبقى القليل فقط ممن يواصلون الطريق والسعي به.  السبب لا يكمن غالبًا في نقص الذكاء أو ضعف الإمكانات، بل في الاعتقاد أن الحماس وحده يكفي للوصول. والحقيقة أن الحماس شرارة البداية، أما الاستمرار فيحتاج إلى انضباط، وصبر، والتزام لا يرتبط بالمزاج أو الظروف. كثيرٌ من الإنجازات لم تتحقق لأن أصحابها كانوا الأكثر موهبة، وإنما لأنهم كانوا الأكثر التزامًا وعزمًا وإرادة.  وبالصورة التي أراها أن أكثر ما يعطل الإنسان هو أنه يربط تقدمه بالشعور؛ فإن شعر بالحماس عمل، وإن فقده توقف، ويعتقد أنه وجد عذرًا وسببًا للتوقف. بينما الذين يحققون أهدافهم يجعلون الالتزام عادةً لا تتغير بتغير المزاج، أو ما شابه ذلك.  إن الطريق إلى الإنجاز لا يحتاج إلى بدايةٍ لنس...

لماذا يختلف الناس في طريقة التفكير ؟

حين يجلس عدد من الأشخاص أمام موقفٍ واحد، قد تتعدد آراؤهم وطريقة تفكيرهم ونظرتهم للأمر. فبينما يرى أحدهم في الأمر فرصةً تستحق المبادرة والإقبال عليه لما له من اكتسابات يراها بذاته تستحق ذلك،وقد تجد آخر يرى الأمر مخاطرةً تستوجب الحذر والانتباه، وقد يختار ثالثٌ التريث حتى تتضح الصورة بشكلٍ أكبر . هذا التباين والاختلاف لا يعني أن أحدهم يفكر بطريقة صحيحة والآخر بطريقة خاطئة، وإنما يعكس اختلافًا طبيعيًا في الطريقة التي يعالج بها كل إنسان المعلومات ويكوّن أحكامه وطريقة تفكيره، وكل ذلك صائبًا بحالته. ويبدأ هذا الاختلاف منذ سنوات العمر الأولى؛ فالبيئة التي ينشأ فيها الإنسان تؤثر في نظرته إلى العالم بشكلٍ أجمع، ومن حوله فالأسرة، والمدرسة، والأصدقاء، والثقافة المحيطة، والعادات الاجتماعية والقبلية. جميعها تسهم في تشكيل القيم والمعتقدات وأنماط التفكير. وما يراه شخص أمرًا اعتياديًا قد يبدو لشخص آخر غريبًا، لأن كليهما اكتسب خبراته في ظروف وأزمنة مختلفة، قد نقتنع بفكرة اليوم وغدًا لانؤمن بها.  كما أن التجارب الشخصية تؤدي دورًا كبيرًا في تشكيل طريقة التفكير وبناء الرأي الذاتيّ، فالنجاحات تمنح الإنس...