بين الوعي والتعافي: لماذا نعود إلى الدائرة نفسها ؟

نحسب أننا في لحظة هدوء، أن فهمنا للأشياء هو نهاية الطريق، وإن التركيز على الخلل والشعور به كفيلٌ باقتلاعه من جذوره. 

نقرأ، نتأمل، نكتب، ونظن أننا تجاوزنا ما كان يؤلمنا. لكننا نفاجأ، بعد حين، بأننا نعود إلى الموضع ذاته، وبالأسئلة نفسها، وبالوجع الذي حسبناه قد انطفأ.


السؤال لماذا الانتكاسة رغم أننا تعلّمنا؟


الحقيقة التي قد لا نحب أن نسمعها أن الوعي ليس حلاًّ كاملاً، بل هو بداية الطريق فقط. أن تفهم نفسك لا يعني أنك تحاول تغييرها، وأن ترى الدائرة لا يعني أنك خرجت منها. فالعقل قد يفهم سريعًا، لكن النفس بطبيعتها بطيئة في التحول والتغيير، وأشدّ تعلقًا بما ألفته، حتى لو كان مؤلمًا.

النفس تألف ما اعتادته، تطمئن للمألوف، ولو كان وجعًا متكررًا. وترتبك أمام الجديد، ولو كان نجاة.

ولهذا يعود بعضنا إلى أنماطٍ وأفكار يؤمن بأنه قد تجاوزها، لا لأنه لم يتعلّم، بل لأن التعلم وحده لا يكفي. فبين المعرفة والتحول مسافة طويلة، تُقطع بالمجاهدة، والتكرار، والصبر على بطء التغيير.

الانتكاس ليس دائمًا سقوطًا كاملًا، بل قد يكون جزءًا من مسار التعافي نفسه وهو الأصل بذاته. فالتغيير الحقيقي نادرًا ما يكون خطًا مستقيمًا؛ إنه مسار متعرّج، يتقدّم خطوة ويتراجع أخرى، حتى تستقر النفس على أرضٍ جديدة لم تألفها من قبل. وهنا تظهر قيمة وقوة الكتابة.

فالكتابة ليست ترفًا لغويًا، ولا مجرد تفريغ عابر، بل هي مرآة دقيقة تكشف أنماط التكرار التي قد تخفى علينا في زحام الأيام. حين تكتب بصدق، ترى نفسك وهي تعود، وتتعثر، وتبرر، وتخاف. ترى الخيط والطريق الخفي الذي من خلاله يربطك  بمواقفك بعضها ببعض.

والرؤية وإن كانت غير جيدة لك إلا أنها هي أول مفاتيح التحرر.

ولكن لعل الانتكاسة في كثير من الأحيان ليست دليلاً على الفشل، بل علامة على أن في الطريق بقية وأن التعافي ما يزال ممكنًا، لمن يملك شجاعة المواصلة.

وفي النهاية، ليس المطلوب ألا تتعثر أبدًا، بل أن لا تعود الشخص نفسه بعد كل تعثر. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين ترتبنا الفوضى

المثابرة طريق النجاح

ما وراء الألم