المشاركات

عرض المشاركات من مايو, 2025

في معنى النجاة

ليست النجاة دائمًا فعلٌ خارق يتطلّب الشقاء من أجلهِ، أو إنقاذًا بطوليًا يغيّر مجرى الحياة في لحظة، النجاة هي الإيمان بفكرتك وسط الأفكار الكثيرة التي تحيط بك، أن تعيش مع المحاولة وكأنها النجاة.  ليست كل نجاة صاخبة، بل أحيانًا تكون النجاة بشكلٍ أكثر هدوءًا وأكثر راحةً واتزانًا، بين صفحات دفتر، بصوت حبرٍ جاف، لا يسمعه أحد. الناس لا يرون كل ما نحمله. لا يعرفون كم مرة بلعنا كلماتنا حتى لا نجرح، ولا كم مرة ابتسمنا في وجه الألم كي لا ينهار مَن حولنا. في لحظة ما، يصبح التعب أكبر من قدرتنا على شرحه، فنلجأ للكتابة. الدفتر لا يُقاطع، ولا يُصحّح، لا يُصغر من وجعك، لا يُقارنك بغيرك. الدفتر يحتمل. ولهذا نكتب. نكتب حين تتعب الروح من التفسير، وحين لا يعود الكلام مجديًا، وحين نبحث عن ضوء في نفق لا نرى نهايته. نكتب لا لنُخبر أحدًا، بل لنُنقذ أنفسنا من أنفسنا. في كل صفحة نكتبها، نحن نرمي عبئًا ما. قد يكون حزنًا قديمًا، أو شخصًا لا زال يسكننا، أو خيبة لم نُعطِها حقها من الحزن. الكلمات تُشبه الماء، تغسل، تُخفّف، تُنعش. نحن لا ننجو دائمًا بالناس. أحيانًا الناس هم ما يجعلوننا نكتب. لا كُرهًا، بل لأن في د...

كيف نعيش سعداء بالفكر الرواقي؟

منذ أكثر من ألفي عام، وُلدت الرواقية في أروقة أثينا، في الوقت آنذاك بدأت هذه الفكرة أو الفلسفة المختلفة عن بقية الفلسفات والأفكار الأخرى، حيث الولادة التي أتت من العلم القليل والفكر المحدود، لكنها لم تبقَ حبيسة الكتب، بل صارت منهجًا عمليًا لحياة متزنة وهادئة. الفلسفة الرواقية، التي وضع أسسها زينون وخلّدها فلاسفة كماركوس أوريليوس وسينيكا، لم تكن معنية بالتجريدات أو المجادلات، بل بالعيش بسلام داخلي وسط عالم مضطرب. بل أن جوهرها بسيط وعميق، وله دلالات مشيرة إلى حياتنا اليومية العادية.  ومن الأسئلة القديمة التي كانت تُطرح في وقت نشأتها وتداولها بين العوام، وهو العنوان الذي انطلقت منه لكتابة هذه الحكاية كيف نعيش سعداء بالفكر الرواقي؟  تأتي الإجابة في هذا السياق، أنه لا يُمكن أن تعد المرء بحياةٍ خالية من الألم، بل أن تدله على تلك المفاتيح لعيش الحياة كما هي، دون أن تنكسر أرواحنا تحت وطأة ظروفها. وفي هذه الفلسفة هنالك الكثير من الأفكار بها والتعليمات التي من الممكن أن ترشدك في حياتك وتقودك إلى أشياء وطرق كانت أكثر منفعةً وصوابًا لك، بعد أن كنت مغيّبًا عنها.  حيث أن الفكر الرواقي ...

عودة إلى الذات

 في غياب من حولك والانفراد بذاتك دون أن يكون هنالك شيء من التأثيرات الخارجية، وحين تهدأ الحياة وتهدأ أنفاسك ويهدأ كل شيء حولك، تكتشف أن هنالك شيء أعمق من كل ما تراه في تفاصيل أيامك الماضية، تكتشف أن هنالك سرُّ غائب عنه أنت، سوف تكتشف أن هنالك حديثًا آخر لم تنصت له بعد، حديث يبدأ حين تسكت، وتفهمه حين تصغي، وتعيه حين تعود لنفسك بعد طول غياب. إنه الصمت. الصمت ليس خلوًا، بل هو امتلاء من نوع نادر، امتلاء بالبصيرة، باللحظة، بالوجود. هو ليس ذلك الفراغ الذي يهرب إليه منه الناس، إنه القيمة الغائبة عنّا، بل هو المساحة التي تُصقل فيها الأرواح وتصفو فيها الرؤى. الصمت يضعك بنقاشٍ مع ذاتك، مواجهةٌ مع نفسك، حديثٌ طويل يعتريكم، تخرجُ بفائدةٍ عظيمة، وحكمةٌ بصيرة، ومعرفةٌ قيّمة لذاتك.  في الصمت تتغيّر أفكار، تُرمّم جروح، تُولد قرارات، ويُعاد ترتيب الداخل بلا ضجيج. هنا يأتي الصمت، لا ليُسكت الخارج، بل ليعيد ترتيب الداخل. حين يفيض الصمت عن احتماله، ويتحول إلى كلمات. كلمات لا تُكتب ليرى الناس كم نحن مختلفون، بل تُكتب لأن أرواحنا تحتاج أن تقول شيئًا دون أن تصرخ. تُكتب لأننا لو لم نكتب، سنختنق. احتض...

هل يمكن أن تنجح بلا أهداف؟ بين وضوح الطريق واكتشاف الفرص

يعيش كثير من الناس في سباق مستمر نحو النجاح، تتعدد فيه الطموحات وتختلف فيه الوسائل، حتى أصبح تحديد الأهداف واحدًا من أكثر الموضوعات حضورًا في أحاديثنا عن تطوير الذات والإنجاز. نسمع باستمرار أن الإنسان يحتاج إلى هدف واضح، وخطة محددة، وجدول زمني يقيس من خلاله تقدمه. وقد يبدو هذا التصور منطقيًا؛ فحين نعرف ما نريد الوصول إليه، يصبح من الأسهل أن نحدد الخطوات التي تساعدنا على تحقيقه. لكنني أتساءل أحيانًا: هل يحتاج النجاح دائمًا إلى هدف نرسمه مسبقًا؟ وهل يمكن أن يصل الإنسان إلى إنجاز مهم لم يكن ضمن خططه الأولى؟ هذا السؤال يستحق التأمل؛ لأننا نميل أحيانًا إلى النظر إلى النجاح بوصفه نتيجة مباشرة لخطة محكمة، مع أن الحياة أكثر تعقيدًا من ذلك. فقد يحقق الإنسان هدفًا عمل من أجله سنوات، وقد يكتشف طريقًا جديدًا لم يكن يفكر فيه، ثم يجد نفسه أمام فرصة تغير مساره بالكامل. لماذا نحتاج إلى الأهداف؟ تساعدنا الأهداف على تحديد ما نريد تحقيقه، خصوصًا حين تتعدد الخيارات وتتزاحم المسؤوليات. فالإنسان الذي يرغب في تطوير مهاراته المهنية، على سبيل المثال، قد يجد أمامه عشرات الدورات والبرامج التعليمية، لكنه لا يستطي...

الكتابة كفعل نجاة

في هذا الضجيج الطويل والممتد من شاشات الأجهزة إلى ازدحام الفكرة، تصبح الكتابة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل طوق نجاة نلقي به لأنفسنا قبل أن نلقيه للعالم، نكتب لنعلم ونتيقّن أن الكتابة فعلُ نجاة، ومهربٍ وآمن، لا يضرُّ ولا يندمُ المرء بالاحتفاء بها، هذه هي الكتابة.  نكتب لا لنعلم، بل لنفهم كل شيء حولنا، وكل شيء يمكن لنا أن نعرفه، تلك جوهرة الكتابة.  نكتب لا لنُعلّم، بل لنتصالح مع أجزاء مبعثرة في دواخلنا، نكتب لنعلم أن الكتابة هي الحل والجواب، في هذه الأسئلة التي تحيط بنا.  الكتابة فعلُ إعادة تشكيل. نأخذ الألم ونعيش به بالحروف، نأخذ من الذكرى مهربًا، ومن الحنين نافذة، ومن الغضب حوارًا مؤجلًا على ورقٍ يُطال به الانصات إليه.  حين نكتب، نُمارس حقّنا في الانصات، في التأمل، في الخروج من نسق السرعة الذي يفرضه العالم. في زمن التشتت، تصبح الكتابة فعل مقاومة.  أن تُنصت لداخلك، أن تمنح الفكرة وقتها لتنضج، أن تعود للنص كأنك تعود لوطنٍ مؤقت، هذا كله فعلٌ من أفعال البقاء. لا أعرف كيف ينجو الذين لا يكتبون. ربما وجدوا وسائلهم، لكننا نحن الذي نعيش هذا الشعور التي تمنحها الكتابة لنا،...