المشاركات

عرض المشاركات من مارس, 2026

ما الذي يبقى بعد المواسم ؟

المواسم لا تمضي، بل هي حاضرةٌ بنا، ولا يمكن لها المغادرة.  ها نحن نعيش الحنين إلى رمضان بعد أيامٍ قليلة منذ أن غادرناه، وكل منا كسب خيراته وحسناته، وبما هو مراد ٌ منا اغتنامه والعمل به.  إننا لم نخرج منه كما نظن، نخرج وقد انزاح شيءٌ خفيّ، واستقرَّ شيءٌ آخر لا نُحسن تسميته.  في ذروة الامتلاء بالشيء ، لا نكون واعين بما يحدث، كل شيء يبدو واضحًا زيادةً عن اللازم، قريبًا حدّ الذوبان، فنظن أن هذا القرب سيبقى، وهذا الشعور حيًّا بنا وكأننا سنبقى على ذلك الشعور إلى الأبد.  لكن ما إن ينحسر الوهج والشعور به، حتى نشعر بذلك متأخرًا، وكأن إدراك الأشياء لا تُمنح إلا بعد أن تفلت من أيدينا.  ما بعد المواسم والخيرات، هو اللحظة التي يسقط فيها الوهم اللطيف، الوهم بأن الشعور هذا يكفي. ويأتيك حينها سؤال:  الفرق بين من مرّ بالموسم، ومن تغيّر به، أن الأول كان يعيش اللحظة، والآخر أصبح يحملها داخله.

فهم المعنى

عن المعاني في الحياة، وعن السعي لاكتشافها والمواصلة نحو ذلك، تبدأ رحلة الإنسان الحقيقية نحو الفهم. فليست الحياة مجرد مرور عابر، إنها محاولة مستمرة لالتقاط دلالاتها العميقة، وقراءة ما وراء ظاهرها. إن البحث عن المعنى ليس ترفًا ومتعةً فكرية، بل ضرورة تُعيد ترتيب الداخل، وتمنح الوجود ملامحه الواضحة البيّنة التي من خلالها نفهم ونستلهم.  فكل معنى تكتشفه لا يضيف إلى معرفتك فحسب، بل يعيد تشكيل نظرتك للحياة، ويمنحك قدرة أعمق على فهم ما يدور حولك؛ أسبابه، غاياته، وسياقاته. وحين تتراكم هذه المعاني، لا تعيش الحياة كما هي فقط، بل تعيها وتدرك موقعك منها. 

العشر الأواخر .. حيث تتغير الموازين

نمضي سريعًا في أيامنا دون أن نشعر بقيمتها وفضل أوقاتها، وها نحن نعيش في الأيام الأخيرة من هذا الشهر الفضيل وكأن أيامه الأولى بالأمس كانت.  نستقبله بشوق، ثم لا نلبث أن نجد أنفسنا في آخر محطاته، في العشر الأواخر، في العشر الفضائل.  هذه الأيام العشر التي نحن بها الآن ليست نهاية رمضان، بل هو الخير والفضائل الكثيرة به.  فمن لم يستغل منذ بداية رمضان، عليه بهذه الأيام الأخروية، هذه فرصته وأعظم الفرص هذه الأيام.  فيها يشتد الاجتهاد كما كانوا يفعلون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين رضوان الله عليهم، وتزداد الصلوات، وتطول الدعوات، وكأن القلوب تستشعر أن هذه الليالي ليست كسائر الليالي. لقد كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر الأواخر شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله. وهذا المشهد النبوي يكشف لنا معنى مهمًا: أن هذه الأيام ليست وقت الفتور، بل وقت الزيادة والاقتراب. إنها أيام يضاعف فيها المؤمن جهده، لأنه يدرك أن ما تبقى من الشهر قد يحمل أعظم لحظاته. إنها ليلة تتنزل فيها الملائكة، وتفيض فيها الرحمة، وتُكتب فيها المقادير بإذن الله، وتفتح فيها أبواب الرجاء لكل قلبٍ يريد أن يبدأ من ...

رمضان وتجدد المعاني

يأتي رمضان كل عام محمّلًا بمعانٍ يصعب حصرها في كلمات قليلة. هو شهر الخير والبركة والطمأنينة، الشهر الذي تتبدّل فيه تفاصيل الأيام قليلًا، ويشعر الإنسان أن للحياة إيقاعًا أهدأ وأعمق. في رمضان يقترب الناس من الطاعة أكثر، وتصبح العبادة جزءًا حاضرًا في تفاصيل اليوم. يكثر ذكر الله، وتُفتح أبواب الخير، ويجد الإنسان نفسه ميّالًا إلى السكون، إلى الدعاء، وإلى تلك اللحظات التي يشعر فيها أن قلبه أخفّ مما كان. ليس رمضان مجرد شهر نصوم فيه عن الطعام والشراب، بل هو مساحة نراجع فيها أنفسنا. نتذكر ما أهملناه، ونحاول أن نبدأ من جديد. كأن الشهر يمنحنا فرصة هادئة لنرتّب الداخل قبل الخارج، وأن نعيد للأشياء البسيطة قيمتها. وفيه أيضًا تتجلى معاني الرحمة والعطاء؛ في موائد الإفطار، وفي الصدقات، وفي تلك المشاعر الصادقة التي تجعل الناس أقرب إلى بعضهم. رمضان، في النهاية، ليس فقط موسمًا للطاعات، بل بداية لأشياء كثيرة: بداية هدوء، وبداية تصالح، وبداية طريقٍ يحاول فيه الإنسان أن يكون أقرب إلى الله، وأقرب إلى نفسه. ولهذا يبقى رمضان مختلفًا كأنه كل عام يذكّرنا بأن الخير ما يزال ممكنًا، وأن البداية الجديدة ليست بعيدة.