الصحراء التي تُفكّر
الصحراء ليست فراغًا كما نظنها نحن، ولا صمتًا بليدًا كما نتصوّر، هي كتابٌ وعالمٌ مفتوحٌ لمن يُحسن القراءة، ورسالةٌ عميقة كتبها الزمن على صفحة الرمل.
في الصحراء تتعرّى الأشياء من زيفها، فلا أقنعة، ولا جدران، ولا ضجيج. هنالك أنت فقط، واتساعٌ لا ينتهي،
وسماءٌ تقترب من القلب أكثر مما تقترب من العين، حيث المتنفس الكبير والروح المتسعة.
إن الرمل في الصحراء لا يسكن، يتحرّك كأنه يفكّر، يغيّر شكله كل يوم، ويعلّمنا أن الثبات وهم، وأن التبدّل سنّة الحياة. والشمس قاسية، نعم، لكنها صادقة.
أما الليل فالليل في الصحراء حكاية أخرى.
نجومٌ تتدلّى كالمصابيح، وصمتٌ يشبه الصلاة، وبرودةٌ تُعيد ترتيب القلب من الداخل.
في الصحراء تتصالح مع وحدتك، وتكتشف أن العزلة ليست غياب الناس، بل حضور الذات وإنصاتها الكبير الذي يجعلك تنغمس في عوالمك الداخلية.
لصحراء، حين تُقرأ فلسفيًا، لا تُعدّ مكانًا بقدر ما تُعدّ حالة وجود يجب الامعان بها. ليست امتدادًا من الرمل فحسب، بل امتدادًا للأسئلة الكبرى التي يسكنها الإنسان منذ وُجد: من أنا؟ ولماذا جئت؟ وإلى أين أمضي؟
في المدن نتعلّم كيف نعيش، أما في الصحراء فنبدأ بتعلّم لماذا نعيش.
الصحراء تُذكّرك بأن الوجود في جوهره بسيط، وأن التعقيد اختراع بشري، خلقناه لنُخفي خوفنا من الفراغ.
لكن الفراغ في الصحراء ليس عدمًا وهواءً عاديًّا، بل امتلاءً من نوع آخر ومفيد، امتلاء بالصمت، والصمت هنا ليس غياب الصوت، بل حضور المعنى والفكرة الصائبة.
حين نقرأ عن الفلاسفة الذين تحدّثوا عن العزلة بوصفها شرطًا للوعي، والصحراء تمارس هذا الشرط بلا تنظير. تضعك في مواجهة نفسك، ومع أسئلتك الكبيرة المتعددة التي لم تترك لك بابًا بأن تجد جوابًا مقنعًا، المزيد من الأسئلة دون توقف.
تعليقات
إرسال تعليق