المشاركات

عرض المشاركات من أغسطس, 2025

الحضور الذي يخلّفه الغياب

من خلال ما يُشعر به المرء، إن الفراق هو امتحانٌ للنفس ومدى صبرها وصلابتها بمواجهة مثل الشعور التي تصيب النفس ومدى فاعليتها مع الأحداث اليومية التي نمرُّ بها.  إنه يُشابه الحاضر الغائب في حياتنا، إنه ليس لحظةٍ عابرة نمرُّ بها أو كلمةٍ نسمعها وتُقال على أنها شيئًا عاديًّا، هو تلك اللحظة التي ينطفئ فيها كل شيء، وكأن الضوضاء لم يزر داخلك منذ الأزل، وتعيش في دوامة البحث عن معنى جديد في حياتك ليملأ الفراغ الذي تركه الغائب.  ما يؤلم في الفراق أنه ليس له وقتًا للاستعداد والتهيئة شعوريًا له، يأتي ويقتلع كل ما في حياتنا من أشياء ظننا أنها جذور ولا يمكن لها أن تُزال.  نحنُ قيمتنا بما نملكه من أحاديث ومشاهد قديمة تعيش بنا، وصورٍ تسكن في مخيلتنا، وكأنها مشهدٍ أبديَّ ننصت إليه، كل الأماكن التي مررنا بها معهم تتحوّل إلى شواهد صامتة، تنبض بالحضور الذي كان ثم انطفأ. لكن الفراق ليس ألمًا قويًا لدرجة لا يمكن العيش به، حيث في أعماقه عذوبة خفيّة. إنّه يعلّمنا أن قيمة اللقاء ليست في امتداده الزمني، بل في أثره الذي يظل عالقًا في أعماقنا. من نفترق عنهم يرحلون بأجسادهم، لكنهم يبقون فينا على هيئة ...

فرويد والألم

لا شيء مثل الألم يجعل الناس يتغيرون، في هذه الكلمات يُجسّد الألم الطبيب النفسي الشهير ومؤسس علم النفس الحديث سيغموند فرويد، مُعبرًا عن الألم كقوة داخلية تؤثر  على جوهر الحياة وتغيراتها. إن الألم بمفهوم فرويد كتب عنه عدة إشارات أُسميها " إنذارات " للحياة وكيفية مواجهتها، يعتقد بأن الألم تنبيه للكائن الحيّ إلى وجود خلل أو تهديد في حياتك وشخصيتك الذاتية الداخلية، وبهذا يحتاج إلى معالجة فورية.  وأشار أيضًا مُعرّفًا عن الألم وأنواعه وكيفية التفرقة بينهما،  أن الألم النفسي أقوى من الألم الجسدي لِما له من ارتباطات عاطفية ووجدانية في داخل الإنسان، عكس الألم الجسدي الذي نابعًا أو ناتجًا عن إصابة حدثت.  إن ترابط الألم واللذة كما يُسميها، يرى أن الإنسان باحثًا عن اللذة أو الراحة في عتمة الألم وتواجده، بالنسبة له، ليس إلا انقطاعًا أو تهديدًا لهذه الحالة من التوازن. إن الكبت الذي نفعله ونمارسه كممارسة أقل ضررًا في حياتنا، ولا تشكل أهمية ولا عبءً على ذواتنا، إذْ إن قمع الرغبات والحرمان منها، هو ولادةٍ جديدة من الألم النفسي، حيث أن هذا الألم ليس شعورًا عاديًا عابرًا بل يتجسّد في أع...

الهوية في العصر الرقمي

منذ فجر التاريخ والإنسان كائن باحث عن وجوده، حيث يشكّل لديه هذا البحث سريان حياته بكاملها، ومن خلالها يبدأ محاولاً أن يرسم ويبني لنفسه هوية تشبهه وتليق به، إذْ أن الهوية متقلّبة وليست ثابتة، بطبيعة الحياة وتقلباتها والمعارف والأفكار المستحدثة التي تأتيك في كل ليلة.  إن الثقافة والدين والمكان والتجارب والمعتقدات الشخصية، عامل مهم وكبير في بناء الهوية لدى الإنسان، ومؤثرًا بشكلٍ يجعله يصبح في هوية ويمسي في هويةٍ أخرى، تلك الحياة وخفاياها.  ما ذكرته نابعًا من الزمن القديم وإلى الثورة الكبيرة التي نعيش بها، العصر الرقمي وانفجاره غير المسبوق في وسائل التواصل وحياتنا بشكلٍ خاص، لِما له من تأثيرات تؤثر على طبيعة الحياة اليومية البسيطة التي عاشها من قبلنا، وما زلنا نعيشها، تلك التفاصيل التي تضيف جوهرٍ خاص في حياتنا.  ولكن مع هذا الاضطراب التي نعيش به، يتشكّل لدينا أسئلة كثيرة بسبب التفاصيل التي لا تنتهي، وكأنها مثل دائرةٍ تدور حول نفسها، هذا في الواقع ما يحدث.  ما هي النسخة التي يجب أن نظهرها لهذا الفضاء المتسع، وهل هي حقًا تشبهنا تزامنًا مع الحياة الحقيقية التي نعيشها ؟...

حين تغيّرك العادات: كيف تصنع التفاصيل الصغيرة إنسانًا مختلفًا؟

ثمة تحولات تحدث في حياة الإنسان دون أن ينتبه إلى بداياتها. لا يصاحبها إعلان كبير، ولا ترتبط دائمًا بقرار استثنائي، وإنما تنشأ في هدوء، وتتراكم عبر أيام متشابهة، حتى يجد الإنسان نفسه بعد سنوات أمام شخصية تختلف في أفكارها وقدراتها وطريقة تعاملها مع الحياة. وقد استوقفتني هذه الفكرة حين تأملت أثر العادات اليومية في تشكيل الإنسان؛ تلك الأفعال التي نمارسها بصورة متكررة، ونمنحها جزءًا من أوقاتنا دون أن نتوقف كثيرًا عند نتائجها البعيدة. فقد تبدأ بقراءة صفحة، أو كتابة فكرة، أو تخصيص دقائق للتأمل، أو إظهار الاهتمام بشخص قريب. تبدو هذه الممارسات محدودة في لحظتها، لكنها قد تصبح مع استمرارها جزءًا من أسلوب حياتنا، ومن الطريقة التي نفهم بها أنفسنا والعالم. وأعتقد أن الإنسان حين ينظر إلى مسيرته بعد سنوات، قد يكتشف أن بعض التحولات المهمة في حياته بدأت من تفاصيل لم يكن يمنحها اهتمامًا كبيرًا. وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: إلى أي مدى تصنع عاداتنا اليومية الإنسان الذي نصبح عليه؟ أولًا: الإنسان بوصفه حصيلة من التجارب المتكررة تتشكل شخصية الإنسان من عوامل متعددة، تشمل خبراته وعلاقاته وبيئته وقيمه والظروف ال...

الذات بين الواقع والتواصل: هل نصنع نسخة أخرى من أنفسنا؟

في زمنٍ أصبح فيه الحضور الرقمي جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية، أجد نفسي أمام سؤال يستحق التأمل: هل الإنسان الذي نراه عبر منصات التواصل الاجتماعي هو الإنسان نفسه الذي نعرفه في الواقع؟ قد تبدو الإجابة سهلة في ظاهرها، فنحن نعلم أن الأشخاص الذين يظهرون أمامنا في الصور والمقاطع والمنشورات يعيشون حياة أخرى خارج تلك الشاشات. لكن المسألة تصبح أكثر تعقيدًا حين نتأمل الطريقة التي يختار بها الإنسان صورته أمام الآخرين، والكلمات التي يستخدمها، والمواقف التي يعلنها، والتفاصيل التي يقرر إخفاءها. في الحياة الواقعية، نتعامل مع الآخرين ضمن ظروف مختلفة، نمر بلحظات من الحماس والهدوء والقلق والتردد، ونتصرف أحيانًا بصورة عفوية لا نفكر كثيرًا في أثرها. أما في العالم الرقمي، فإننا نمتلك فرصة أكبر لاختيار ما نريد إظهاره، ومراجعة ما نقوله، وإعادة تشكيل الطريقة التي نقدم بها أنفسنا. وهنا تظهر فكرة أحب أن أسميها «الذات المعدّلة»؛ تلك الصورة التي يصنعها الإنسان لنفسه حتى تتناسب مع طبيعة المنصة والجمهور الذي يتابعه. لكن هل يعني ذلك أننا نعيش بشخصيتين مختلفتين؟ وهل يمكن أن تؤثر الصورة التي نصنعها أمام الآخرين في فهم...