المشاركات

عرض المشاركات من أكتوبر, 2025

فن التغيير

من المقاطع التي ألهمتني كانت للمؤثر أحمد الشقيري يقول في معنى كلامه: إن أردت أن تتخلّص من عادةٍ سيئة، اخلق عادةً جيدة في حياتك. وهذه الجملة البسيطة تختصر فلسفة التغيير كلها. فالنفس لا تُشفى بالمنع، بل بالبديل. ولا تنطفئ ظلمةٌ بالرفض، بل بالنور. ثمة شيء خفيّ في النفس يجعلها لا تطيق الفراغ. حين تنزع منها عادةً، تبحث فورًا عن شيءٍ يسدّ المساحة التي تُركت فيها. وكأنّ النفس بيتٌ لا يحتمل الفراغ، لابد أن يُشعل فيه ضوءٌ أو يُفتح فيه باب. لهذا، لا يكفي أن نقول: أريد أن أتخلّص من هذه العادة، لا بد من أن تفكر ببناء عادة أخرى عكس العادة التي تم التخلص منها، تُبنى مرونة، وفراغٌ يُسد.  إن الذي يُخلّصك من عادةٍ تُرهقك، هو أن تجد عادةً تُحبّها أكثر، هكذا الإنسان جُبل على التغيير والنفس المُشبعة، الفراغ فاتل ومهلك.  في نهاية الأمر، التخلّص من العادات السيئة ليس حربًا تُخاض بالسيوف، بل حكاية تُكتب بالقلب. ومن تلك اللحظة، تتبدّل أشياء كثيرة دون صخب، ودون وعود كبيرة. فما أروع أن تتغيّر بهدوء، كأنك تنضج لا أكثر.

فلسفة العزلة واتساع الحضور الإنساني

من الأشياء النادرة في هذا العالم المزدحم بكل شيء، أصبح الصمت بوصفه شيئًا غريبًا ومختلفًا من يتملكه أو يعيشه ويجعله ضمن روتينية الحياة.  نستيقظ على ضجيج الأخبار والأحداث التي أراها في العالم بشكلٍ أجمع، نتعاطى القضايا العالمية ونحن نبعد عنها آلاف الكيلوات والأمتار، وكأنها بالقرب منّا وقضية شخصية تمسُّنا، وتمسُّ المجتمع الذي نعيش فيه ونحن نتنفس  ضوضاء الأجهزة، وننام على أصوات لا تشبه النوم. كأن العالم كله يتحدث في الوقت نفسه، ولا أحد يُصغي إليه.  العزلة، في وسط كل هذا، لم تعد ترفًا كما يظن البعض، بل ضرورة لتبقى أرواحنا قادرة على الإصغاء لأنفسها، كما أنها أمرٌ ضروريّ للغاية، بالتزامن مع ماذكرت هذا التدخل الكبير الذي يعيش في كل منّا، دون أن يعيش المرء في ذاته.  إن العزلة هي ليست انقطاعًا عن الآخرين، بل عودة إلى الداخل، إلى النقطة التي يمكن أن نرى منها كل شيء بوضوح أكثر. حين نختار العزلة، لا نهرب من الناس، بل نبحث عن مسافة آمنة بيننا وبين كل ما يربكنا. في العزلة هنالك الكثير من التغيرات حيث تتغير الأصوات من الخارج إلى الداخل، نسمع حديث أفكارنا وكأنه يأتي من بعيد، نراجع ال...

الأدب والكتابة كفعل وجودي

إن ممارسة الكتابة بمفهومها العام ليس بالضرورة أن من يُمارس هذه العادة أن يكون كاتبًا كما يسمى أبن هذه المهنة، وعلى وزن هذا الاعتقاد أن ليس كل من يتنفس حيًّا، الكتابة ليست حرفةً لغوية، بل حالة وجودية خالصة. هي تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أنه كائن عابر في هذا الكون، فيحاول أن يترك أثرًا، أن يقول: كنتُ هنا، وفكّرتُ، وتألمتُ، وأحببتُ، وكتبت. كل حرف يُكتب هو مقاومة ضد العدم، ضد ما هو يُعمل سلبًا تجاهك، وعلى الصعيد الآخر كل جملةٍ صادقة هي محاولة لانتزاع لحظة وعيٍ من فم الزمن. وحين يكتب الإنسان، لا يدوّن فقط ما يحدث حوله، بل يخلق ما لم يحدث بعد. الكتابة بهذا المعنى ليست نشاطًا ثقافيًا فحسب، بل فعل وجودي يُثبت من خلاله الكاتب ذاته في العالم. ثمة كُتّاب يكتبون لأن الكتابة مهارة، وثمة آخرون يكتبون لأنهم لا يستطيعون العيش دونها، وهذه هي الكتابة بعينها وبمفهومها الواسع الذي أسميه ( الجميل )  الفئة الثانية هي التي تصنع الأدب الحقيقي. فالكاتب الذي يكتب ليمرّر الوقت، يكتب نصوصًا ميتة، بينما من يكتب لأنه يختنق، يولد في كل جملة. الكتابة ليست رفاهية فكرية، بل طوق نجاة، ومحاولة البحث عن معنى وج...

فن النجاة بتوازن

الحياة مجموعة من التقلبات التي نواجهها، ونتعامل معها كضرورة لا بدّ منها، على مختلف الأصعدة والمجالات؛ في العلاقات الاجتماعية، والصداقة، وحتى في الزواج. فالإنسان، ما دام يعيش بين الناس، عليه أن يتقبّل اختلافهم، ويفهم وجهات نظرهم، دون أن يجعل من الاختلاف حاجزًا أو خصومة. إن مفهوم الحياة الحقيقي، ينبع من التأمل في معناها، والتفكّر في تفاصيلها، وإيجاد الحلول لمشكلاتها، واستثمار فرصها، وحبّ ما ينفعنا منها، وترك ما يضرّنا. هذه الخطوات هي السبيل الأمثل للتعامل مع الحياة كما هي، لا كما نريدها أن تكون. الحياة طريقٌ طويل، علينا أن ننتفع من دروسه، دون أن نحمل أعباءه فوق طاقتنا، ودون أن نُثقل أنفسنا بما لا نملك تغييره. فالذكاء الحقيقي ليس في الهروب من صعوباتها، بل في حسن التعامل معها، واتخاذ القرارات بعقلٍ راجحٍ ونَظرٍ بعيد.