الإنسان بين الفراغ والمعنى
إن مشكلة الإنسان في زمننا المعاصر ليس في قلّة ما يملك، بل في ضبابية ما يفهم.
فالمعنى لم يختفِ من الحياة، لكنه تراجع أمام الضجيج، وعدم الوضوح، وأصبح الوصول إليه يحتاج وعيًا وفهمًا وتركيزًا أكثر من الحاجة إلى جهد.
منذ أن بدأ الإنسان يفكّر، وهو يسأل: لماذا نعيش؟ ما المعنى الجوهري من هذا كله؟
ولم يكن هذا السؤال ترفًا فكريًا، بل محاولة نجاة وجاهزية عالية لشيءٍ قادم أقوى.
فحين يغيب المعنى، يتحوّل العيش إلى تكرارٍ مُنهك، وتصبح الأيام متشابهة ومملة، مهما اختلفت تفاصيلها.
الفراغ ليس فراغ الوقت، بل فراغ الفهم، والاعتياد.
قد يكون الإنسان مشغولًا طوال يومه، محاطًا بالناس، متصلًا بالعالم، ومع ذلك يشعر بثقلٍ داخليّ لا يعرف له سببًا. ذلك الثقل هو نتيجة العيش دون إدراك واضح لِما يفعل ولماذا يفعله.
المعنى لا يُمنح من الخارج، ولا يُفرض بالقوة.
إنه يُبنى ببطء، عبر التأمل، والمراجعة الذاتية، والقدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، الذي من خلالها يُبنى كل شيء بطرق سليمة ومركّزة.
فالأسئلة الواضحة، حتى دون إجابة، أكثر فائدة من إجابات جاهزة لا تشبهنا.
كثيرون يظنون أن السعادة في الوصول، بينما الحقيقة أنها في الفهم. أن تفهم نفسك، وحدودك، ومخاوفك، وقدرتك على الاختيار. الفهم لا يلغي الألم، لكنه يجعله مفهومًا، وهذا وحده يخفف وطأته.
نحن لا نتألم لأن الحياة صعبة، بل لأننا نطالبها بما لا تَعِد به. نطالبها بالكمال، بالعدل المطلق، بالثبات بينما طبيعتها التغيّر، والنقص، واللايقين.
الفكر الصادق لا يجمّل الواقع، ولا ينتظر شيءٍ منه، بل يضعه في حجمه الحقيقي.
يعلّم الإنسان أن يقبل ما لا يستطيع تغييره، وأن يتحمّل مسؤولية ما يستطيع. وبين القبول والمسؤولية، تنشأ مساحة ناضجة للعيش.
حين يفهم الإنسان أن قيمته ليست في ما ينجزه فقط، بل في وعيه بما ينجز، يخفّ صراعه مع الآخرين، ويهدأ صراعه مع نفسه. فأغلب النزاعات ليست خلافات حقيقية، بل سوء فهم للذات أولًا.
المعنى لا يحتاج أحداثًا عظيمة. قد يوجد في عملٍ صادق، أو علاقة واضحة، أو فكرة تُنقذ الإنسان من التيه. وكلما كان المعنى بسيطًا، كان أكثر ثباتًا.
في النهاية، لا يُقاس نضج الإنسان بطول تجربته، بل بعمق وعيه بها. فمن فهم، عاش. ومن عاش دون فهم، مرّ بالحياة كما تمرّ الأشياء العابرة بلا أثر.
تعليقات
إرسال تعليق