اللغة وصناعة المعنى

في يومنا هذا ومنذ الأزل لم تكن اللغة في يومٍ من الأيام أداة تواصلٍ فحسب نعيش بها أيامنا ووسيلةٍ لها، بل كانت منذ بداياتها محاولةً إنسانية لترويض الوجود. فالعالم، في صورته الأولى والأزليّة، كان فائضًا عن الفهم ومليئًا به، متشابكًا، غامضًا، وصعبًا للتعاطي معه حيث أنه لا يمنح نفسه بسهولة وبصورة واضحة. 

فجاءت اللغة كمحاولة لمعالجة هذه المشكلة، حيث أنها جاءت لا لتشرح هذا العالم بقدر ما تمنح الإنسان قدرةً على الوقوف داخله دون أن ينهار.

حين سمّى الإنسان الأشياء، لم يكن يكتفي بالإشارة إليها، بل كان يضع حدًّا للفوضى التي تسكنها. الاسم لم يكن وصفًا، بل كان نوعًا من السيطرة الرمزية؛ فالخوف حين يُسمّى يصبح قابلًا للاحتمال، والحزن حين يُنطق لا يعود صامتًا في الصدر. اللغة، بهذا المعنى، لم تكن رفاهية عقلية، بل ضرورة وجودية.

غير أن اللغة، في الوقت ذاته، ليست بريئة. فهي لا تنقل الواقع كما هو، بل تعيد تشكيله وفق حدودها. الكلمات لا تحتضن التجربة كاملة ولا يمكن لها ذلك، وإنما تُقصي منها ما يعجز اللسان عن حمله. لذلك، لا يعيش الإنسان التجربة ذاتها حين يمرّ بها، وحين يحكيها؛ فبين الحدث وسرده مسافةٌ تصنعها اللغة، وتعيد ترتيب الألم، وتلطّف القسوة، أو تُخفيها خلف تعبيرٍ مألوف، كل ذلك ما تفعله اللغة لنا. 

ولعل أخطر ما في اللغة أنها تُعلّمنا ما ينبغي قوله، لا ما نشعر به حقًا. نصبح، مع الزمن، أبناء العبارات الجاهزة، نردّدها دون وعي، ونستعين بها للاحتماء من أسئلة لا نملك لها إجابات. نقول ما يُنتظر منا قوله، لا ما نحتاج قوله، فنستبدل الصدق باللباقة، والحقيقة بالصياغة، وكل ذلك كلماتٍ مسطرة وجاهزة، ودورنا هو نقل كل ذلك الشعور وتسييره حيث ما نريده. 

ومع ذلك، لا يمكن للإنسان أن يتخلّى عن اللغة، لأنها الإطار الذي يرى من خلاله العالم. نحن لا نُدرك الأشياء خارج الكلمات، بل نفهمها بقدر ما نملك لها أسماء. كل اتساعٍ لغوي هو اتساعٌ في الرؤية، وكل فقرٍ لغوي هو تضييقٌ على المعنى، وحجبه من الوجود. ولذلك، لا يكون اختلاف البشر في مواقفهم فحسب، بل في لغاتهم التي يصوغون بها فهمهم للحياة.

اللغة أيضًا ذاكرة الجماعات. فهي التي تحمل التاريخ، وتختزن القيم، وتنقل التصورات من جيلٍ إلى جيل. وحين تضعف اللغة، لا يضيع التعبير فقط، بل يختلّ وعي الإنسان بذاته وبموقعه في هذا العالم. فاللغة ليست ما نقوله، بل ما نكونه حين نقوله.

وفي نهاية الأمر والحديث، تبقى اللغة محاولةً غير مكتملة. فهي عاجزة عن قول كل شيء، لكنها الوحيدة القادرة على إنقاذ الإنسان من الصمت المطلق. وبين هذا العجز وتلك القدرة، يتشكّل وعينا، ونصوغ وجودنا، ونحاول، بالكلمات، أن نجعل الحياة أكثر قابلية للفهم وأكثر احتمالًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المثابرة طريق النجاح

حين ترتبنا الفوضى

ما وراء الألم