كيف تتشكّل حياتنا قبل أن نشعر بها؟
في كثير من الأحيان، أو قليلٍ منها. نشعر أننا لم نعد نعيش الحياة بقدر ما نراقبها وهي تمر، ويأتي ذلك دون حدوث شيءٍ ما، ننتبه من خلاله أن هنالك علامة فارقة.
نتابع الآخرين بعمق كبير، نتابع تفاصيلهم وحياتهم اليومية، وكأننا خلقنا لهذا الأمر !
والأدهى من ذلك أن نكون أكثر إنصاتًا لهم، أكثر من أن ننصت إلينا.
حيث أننا نؤجل أحلامنا بحجة الانشغال، نكتم أسئلتنا بدافع التعايش، ونقنع أنفسنا أن ما نشعر به مؤقت، بينما هو في الحقيقة يتراكم بهدوء، طبقة فوق طبقة، حتى يصبح جزءًا من تكويننا الداخلي الذي بعد حين يؤثر على قرارتنا وأفكارنا.
نحن لا نتغير فجأة، ولا نستيقظ ذات صباح بأفكار جديدة وشخصية مختلفة، بل يحدث التحوّل ببطءٍ شديد، في تفاصيل صغيرة لا تُحسب عادة: في موقفٍ صامت اخترنا فيه السلامة بدل المواجهة، في فكرة راودتنا طويلًا ولم نجد الشجاعة لاتباعها، في خيبةٍ مرّت دون دموع لكنها استقرت في الداخل. هذه اللحظات لا تُصنّف كأحداث، لكنها تشكّلنا أكثر من أي منعطف كبير، لأنها تتسلل دون مقاومة، وتعيد ترتيبنا من الداخل ونحن نظن أننا بخير.
الكتابة هنا لا تأتي كفعل إبداعي فقط، ولا كمهارة تُتقن، بل كمساحة نجاة، كطريقة صادقة لإعادة الإمساك بأنفسنا قبل أن نفقدها وسط الضجيج. حين نكتب، لا نحاول أن نكون بليغين، بل واضحين، لا نبحث عن إعجاب القارئ بقدر ما نبحث عن مصالحة صامتة مع ذواتنا. السرد ليس استعراضًا للحياة، بل محاولة لفهمها، لفهم لماذا تعبنا ؟ متى بدأ الثقل ؟ وكيف أصبح الصمت أسهل من الشرح ؟
نكتب أحيانًا لأننا لم نجد من نصارحه، وأحيانًا لأن الكلام العابر لا يتسع لما في داخلنا، فنلجأ إلى الورق أو الشاشة لنقول ما لا يُقال عادة. نكتب لنفكك الشعور بدل أن يظل كتلة غامضة، نكتب كي نمنح الألم اسمًا، والحنين تفسيرًا، والارتباك سياقًا مفهومًا. وكلما سردنا أكثر، اكتشفنا أننا لسنا ضعفاء كما ظننا، بل بشر نحاول أن نفهم أنفسنا في عالم لا يمنحنا وقتًا كافيًا لذلك.
كل يوم نعيشه هو مسودة غير مكتملة، مليئة بالشطب والتردد والفراغات، والكتابة ليست محاولة لتجميلها، بل لقراءتها بصدق. أن نرى أين كنّا قساة على أنفسنا، وأين تجاهلنا حاجتنا للتوقف، وأين واصلنا السير رغم التعب لأننا لم نعرف خيارًا آخر. ومع كل سطر نكتبه، نقترب خطوة من وعينا، لا لنصل إلى الطمأنينة الكاملة، بل لنفهم على الأقل سبب قلقنا، ونعترف بأننا في حالة تشكّل مستمرة.
وفي النهاية، ليست القيمة في أن تُقرأ قصتنا، بل في أن تُروى أولًا لنا نحن. لأن الإنسان الذي يمنح نفسه حق السرد، يمنح نفسه حق الفهم، وحق المحاولة من جديد. وما دمنا قادرين على أن نكتب، أن نسترجع، أن نتأمل، فهذا يعني أن القصة لم تُغلق بعد، وأننا، رغم كل شيء، ما زلنا نمشي داخلها بوعيٍ أكبر، وبقلبٍ أقل إنكارًا.
تعليقات
إرسال تعليق