الأقنعة التي ابتلعتنا

منذ نشأة الإنسان وبداية فهمه وإدراكه للعالم من حوله، تبدأ عدة محاولات لإبراز نفسه، ومن ضمن هذه هي كيف يبدو مقبولاً للعالم أجمع، كيف يكون مرغوبًا للجميع، كيف يمكن له أن يرضي الآخرين بكل التحديات التي يمرُّ بها. 

تجده يلاحظ الآخرين، ويراقب ردود أفعالهم ووجهة نظرهم، أكثر من أن ينتبه لنفسه ويبحث عن ما يرضيها وما تشتهيها. 

تجده جادًا في تصرفاته وحريص على كل ما يخرج منه بما يناسب الطرف الآخر، يتعلّم متى يضحك، ومتى يصمت، وكيف يخفي بعض أفكاره، وكيف يقدّم نسخة “مناسبة” لكل شخص يقابله.

ومع الوقت، لا يعود الأمر تصنّعًا مؤقتًا بل يتحول إلى أسلوب حياة وروتين يومي يمارسه. 

المشكلة ليست في أننا نرتدي الأقنعة، فالجميع يفعل ذلك بدرجات مختلفة. 

المشكلة الحقيقية تبدأ حين يطول ارتداؤها لدرجة أننا ننسى ملامحنا الأصلية.

كم مرة وافقنا على أشياء لا تشبهنا فقط حتى لا نخسر أحدًا؟

كم مرة أخفينا مشاعرنا لأن الصراحة قد تجعلنا أكثر مما ينبغي”؟

وكم مرة تظاهرنا بالقوة، بينما كان داخلنا يطلب المساعدة بصوت لا تريد أحد سماعه ؟

الغريب جدًا في قراءتي لهذا الموضوع أن الإنسان يخاف أن يكتشف نفسه، ولا يخاف من انكشافه أمام الآخرين. 

لأن النسخة الحقيقية منا ليست مثالية كما نتخيل.

هي مليئة بالتناقضات، بالرغبات المؤجلة، بالمخاوف القديمة، وبالأشياء التي أخفيناها طويلًا حتى عن أنفسنا.

ولهذا نهرب منها بالانشغال، بالمجاملات، بالضجيج، وبالنسخ التي نصنعها يوميًا لننجو اجتماعيًا، حتى لا نحمل أنفسنا أشياء لا نقدر على مواجهتها. 

إن محاولة ارضاء العالم بكل ما فيك، ستجد ومع مرور الوقت أن ذاتك بدأت بالبعد عنها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلاقات التي لا يفسدها الصمت

نجاة الذات

جوهر العلاقة بين الإنسان والحياة