هل الإنسان كائن يكتشف ذاته أم يصنعها ؟

منذ نشأة الخليقة والإنسان بدأ يتفحَّص ذاته أكثر، يتمعن بها دون النظر إلى العالم والعوام من حوله، وكأنه باحثًا عن شيء أكبر من الإنسان. 

لربما من خلال قراءة التاريخ الإنساني ومعرفة التجارب وقراءة السير الذاتية في كل أنحاء العالم، من أكثر الأسئلة تعقيدًا وصعوبة، حيث تلك تقودك إلى بحثًا عن الجواب كل حياتك. 

وهي البحث عن الذات، من أنا ؟ وكيف أصبحت هذا الشخص الذي أبدو عليه اليوم؟ ما هي الغاية من كل هذا؟

باعتقادي أن مثل هذه الأسئلة بالنسبة لجزء من الناس، هي في الحقيقة بسيطة وسهلة ولا يستدعي هذا الأمر بالكثير مما ذُكر، لكن خلف هذه الأسئلة سؤال أعمق وأكثر غموضًا: هل أمتلك ذاتًا حقيقية موجودة داخلي منذ البداية وأقضي عمري في اكتشافها؟ أم أنني لا أملك شيئًا ثابتًا أصلًا، وأنني أقوم بصناعة نفسي خطوة بعد خطوة؟

مما يُنظر إلى هذه الأسئلة أنها ليست ترفًا وفراغًا يعيش به الإنسان، حيث نعيش آثاره كل يوم أن ننتبه، ودون أن نشعر. 

ولكن سؤال تدوينة هذا الأسبوع فهل الإنسان يكتشف نفسه أم يصنعها؟

الشيء الذي لا يمكن إنكاره أن داخل كل إنسان حقيقة كامنة وجاذبة ومدعاةً للتأمل والتفكَّر بها، وأن الحياة ليست مرحلة لصناعة ذاتك، وإنما اكتشافها وإزالة كل شيء يتمحور حولها، ولعل من أوائل من أشار إلى ذلك الفيلسوف سقراط الذي عُرف بمقولته الشهيرة الذي تعلَّقت على أستار المعرفة وطلب العلم، " اعرف نفسك "

أكبر دلالة على أن هذا السؤال مهمًّا للبشرية أجمع ، من مئات السنين وهذا التساؤل لا زال يعيش جدلاً وحضورًا كبيرًا في ساحة الثقافة والمعرفة. 

مما نفهمه من هذا الحديث أن الإنسان ليس جاهلاً بالعالم فقط، وإنما بذاته أيضًا وهذه كارثة تجلبها على نفسك. 

وفي هذا التصور تبدو الحياة كرحلة تنقيب طويلة. الإنسان لا يصنع نفسه، وإنما يحاول أن يصل إلى النسخة الحقيقية المختبئة داخله، تحت طبقات المجتمع والعادات والخوف والتوقعات والبحث الطويل. 

وهذا يفسر سؤالًا يمر على كثير من الناس: لماذا نشعر أحيانًا أننا غرباء عن أنفسنا؟ لماذا يعيش الإنسان سنوات طويلة ثم يقول فجأة: كنت أعيش حياة لا تشبهني؟ أو حياة لم أسعى أن تكون هكذا؟ 

ربما لأن الإنسان في هذا التصور يبتعد عن ذاته ثم يحاول العودة إليها.

لا شيء يأتي صدفة، كل شيء يبدأ بصنيعة الإنسان، أنت تصبح ما تكرره، وما تختاره، وما ترفضه، وما تفعله حين تكون وحيدًا أو مزدحمًا، وما تقرره في لحظاتٍ كثيرة في حياتك. ولهذا الحرية ليست دائمًا جيدة، قد تكون عبئًا ثقيلاً لا تقوى عليه. 

لأن الإنسان إذا كان يصنع نفسه، فلن يستطيع أن يُلقي المسؤولية كاملة على الظروف أو الناس أو الماضي.

لم نختر أسماءنا، ولا أوطاننا، ولا أسرنا، ولا اللغة التي نفكر بها، ولا الزمن الذي ولدنا فيه.

لم نختر كثيرًا من مخاوفنا الأولى، ولا بعض الجروح التي صنعت أجزاء كبيرة من شخصياتنا.

الإنسان يبدأ من ظروف معينة، ثم يتحرك داخلها، يفسرها، يرفض بعضها، ويتمرد على بعضها، ويعيد تشكيل بعضها.

لهذا ربما لا يكون السؤال: هل نكتشف أنفسنا أم نصنعها؟

لأن السؤال نفسه قد يحمل افتراضًا خاطئًا؛ وكأن الأمرين منفصلان. ربما الإنسان يفعل الأمرين معًا.

ربما يكتشف شيئًا في داخله ثم يبدأ بصناعته. وربما يصنع شيئًا جديدًا ثم يكتشف أنه كان موجودًا فيه منذ زمن بعيد. نحن لا نستيقظ يومًا فنجد ذواتنا كاملة.

برأيي الإنسان أقرب إلى مشروع دائم التشكل؛ شيء يتحرك باستمرار، يتغير، يكتسب، يفقد، يعيد النظر، ويخرج من كل تجربة بصورة مختلفة قليلًا وجديدة. 

ولهذا قد تكون واحدة من أكثر الأفكار إرباكًا أن الإنسان ليس كائنًا يصل إلى ذاته مرة واحدة.

لأننا نظن أحيانًا أن هناك نسخة نهائية سنصل إليها، وعندها سنفهم أنفسنا بالكامل. لكن ربما لا توجد نسخة أخيرة أصلًا.

ربما الإنسان يظل طوال حياته بين الاكتشاف والصناعة.

يقترب من نفسه مرة، ويبتعد عنها مرة، ويهدم أشياء ويعيد بناء أخرى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلاقات التي لا يفسدها الصمت

نجاة الذات

جوهر العلاقة بين الإنسان والحياة