لماذا نخاف من النسخة الجديدة من أنفسنا ؟

هنالك لحظات في حياتنا لا نشعر بها أنها لحظة مفصلية وهامة، مثل أننا سوف نكون نسخة جديدة من أنفسنا. 

نسخة لا نعرفها جيدًا، ولم نعتد ملامحها بعد.

ولهذا يتردد، ويتراجع أحيانًا، ويؤجل كثيرًا هذا الأمر المفصل في حياته، ليس لأنه عاجز عن التغيير، بل لأنه يخشى ما سيصبح عليه بعده.

نحن نظن غالبًا أن الإنسان يخاف من الفشل، بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.

كثير من الناس لا يخافون من السقوط بقدر خوفهم من التحوّل غير المستعد له، وبالتالي هنالك مخاوف. 

إن النجاح الحقيقي ليس بالإنجاز فقط، بل بالتغيير الداخلي الذي يحدث، من خلالها تتبدل الرؤى وعلاقاتك مع الآخرين. وهذا ما يجعل التغيير مرعبًا أحيانًا، لأنه لا يعدك بأن تبقى كما أنت.

الإنسان بطبيعته يميل إلى النسخ التي اعتادها من نفسه، حتى وإن كانت متعبة. يألف ضعفه، ويعتاد فوضاه، ويتصالح مع عيوبه القديمة بطريقة غريبة.

ولهذا حين تبدأ الحياة بدفعه نحو نسخة أكثر وعيًا، أو أكثر مسؤولية، يشعر بشيء من القلق، كأن جزءًا منه يُنتزع دون دراية وشعور كامل يشعر به. 

قد يشتاق الإنسان أحيانًا إلى أيام كان أقل فهمًا، لا لأنها أجمل، بل لأنها أخف وأقل وطأة على ذاتك. 

فالوعي رغم جماله، يحمل ثقلًا لا يشعر به إلا من تغيّر فعلًا.

حين ترى الأشياء بوضوح أكبر، تصبح مسؤولًا عن اختياراتك أكثر، وتفقد رفاهية التبرير التي كنت تعيشها سابقًا لأنك أمام الكثير من ( التحديثات الذاتية ) الجديدة. 

ولهذا، فإن كثيرًا من المعارك التي نخوضها ليست مع العالم، بل مع أنفسنا القديمة التي اعتدنا عليها، وأصبنا بحداثة أنفسنا. 

بعض الناس يخافون من النجاح لأنه سيجبرهم على النضج.

وبعضهم يخاف من الحب لأنه سيجعلهم أكثر هشاشة وصدقًا وتنازلات باعتقاده ليس هنالك قدرة عليهم. 

وبعضهم يخاف من الكتابة، لأنها تكشفهم أمام أنفسهم قبل أن تكشفهم أمام الآخرين.

كل تحول حقيقي يحمل معه خسارة خفية؛ خسارة النسخة القديمة التي اعتدناها طويلًا.

وربما لهذا السبب، لا يحدث التغيير الحقيقي دفعة واحدة.

الإنسان لا ينتقل من مرحلة إلى أخرى فجأة، بل يتدرج ببطء، لأن الروح تحتاج وقتًا كي تتصالح مع صورتها الجديدة التي لم تعتد عليها بعد. 

النضج الحقيقي ليس أن تصبح شخصًا مختلفًا تمامًا، بل أن تتقبل أنك خُلقت لتتطور باستمرار دون مراعاة الخسائر والتضحيات التي عملتها، تتقبل الأمر وتستمر حساسية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلاقات التي لا يفسدها الصمت

نجاة الذات

جوهر العلاقة بين الإنسان والحياة