هل القانون يصنع العدالة أم يبحث عنها؟

في أُولى مراحلي الدراسية كطالب في تخصص القانون، كان لفظ العدالة يُطلق كثيرًا من الكادر التعليمي في الجامعة، وللفظ هيبةٌ عالية، وأسمًا كبيرًا أراه أثناء دراستي له كالمناهج الأكاديمية التعريفية الأولى للدراسة. 

في الحقيقة هذا المصطلح الكبير شدني وكانت تلك المرحلة، مليئة بالتعجب والعمق الذي يدور حول ذلك المسمى " العدالة "، أثناء بحثي ودراستي خارج الإطار الدراسي، وجدت أن القانون يُنظر له أنه الحارس الرسمي للعدالة، والأداة التي تنظم الحقوق والواجبات وتحفظ التوازن بين الأفراد، والمؤسسات، والمجتمع على كافته. غير أن العلاقة بين القانون والعدالة ليست بالبساطة أو النظرة المجتمعية التي تبدو عليها؛ فبينما يقوم القانون على النصوص والإجراءات، تنطلق العدالة من معنى أوسع يتجاوز حدود الصياغة النظامية إلى مفهوم الإنصاف والحق والاستحقاق والعدل على مسماه. 

ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل يكفي أن يكون الشيء قانونيًا حتى يكون عادلًا؟

هذا السؤال ليس مجرد جدل فلسفي/قانوني، بل هو أحد الأسئلة التي صاحبت الفكر القانوني منذ نشأته وحتى يومنا الحديث هذا. فالقانون الذي تعلمناه ودرسناه أنه يسعى إلى تحقيق العدالة، لكنه لا يمثلها بصورة مطلقة، لأنه يقوم على مشتقات كثيرة في حياتنا اليومية، حيث أن العدالة مفهوم متجدد ومتأثر بالقيم الإنسانية والثقافية والاجتماعية، بينما يحتاج القانون إلى قواعد واضحة ومستقرة وقابلة للتطبيق، وغير قابلة للجدل أو التهاون. 

ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه الأنظمة القانونية يتمثل في الموازنة بين استقرار النصوص ومتغيرات الواقع، بما يسمى القوانين الوضعية. 

فالمجتمعات تتغير باستمرار، وتتبدل معها احتياجات الأفراد وتصوراتهم حول الإنصاف والحقوق والحريات، الأمر الذي يجعل القانون في حالة مراجعة دائمة بحثًا عن أفضل السبل للاقتراب من العدالة، وتحقيقها في أرض الواقع الذي يؤدي إلى الرضا بين الأوساط المجتمعية والإنسانية. 

إن العدالة ليست نصًا مكتوبًا، وإما فكرة واعتقاد من خلالها يُمارس تطبيقها وشرعيتها. 

كما أن القانون ليس مجرد مواد جامدة، فهو يتغير باستمرار بما يتناسب مع التحديثات الجديدة في حياتنا، والتطور الذي يحدث على مستوى العالم. 

فالقانون يكتسب قيمته الحقيقية من قدرته على حماية الكرامة الإنسانية وصون الحقوق وتحقيق التوازن بين المصالح المختلفة، على كافة الأفراد والمؤسسات. وكلما اقترب من هذه الغايات، ازداد اقترابه من العدالة التي وُجد من أجلها، فالقانون والعدالة وجهان لعملة واحدة، خُلقت من أجلنا وستبقى على ذلك بما يخدمنا ويعزز من حقوقنا العدلية والإنسانية. 

ومع ذلك، فإن الخلط بين القانون والعدالة قد يقود إلى تصور غير دقيق للعلاقة بينهما. فالقانون وسيلة من خلالها تُنصف عدالتنا، أما العدالة فهي غاية حميدة. والقانون إطار تنظيمي، أما العدالة فهي قيمة إنسانية عليا تسعى المجتمعات إلى تحقيقها عبر هذا الإطار. ولهذا لا يمكن اختزال العدالة في النصوص وحدها، كما لا يمكن الاستغناء عن القانون بحجة البحث عن العدالة.

إن قوة القانون لا تكمن في كونه مجموعة من القواعد فحسب، وإنما في قدرته على ترجمة القيم الكبرى للمجتمع إلى واقع عملي قابل للتطبيق والتعديل والمناقشة، وهل يخدم المجتمع بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية، والاقتباس من القواعد الفقهية ومناقشتها وكيفية استخدامها في الحياة الحديثة اليوم، دون التقيُّد بالقواعد الفقيهة نصًا وتشريعًا، كما هو من المعلوم هنالك تغييرات كثيرة وواسعة، منذ نشأة هذه القواعد الفقهية والشريعة الإسلامية على وسعها العظيم.

وفي النهاية، قد لا تكون العدالة دائمًا قانونية، وإنما تشتق كما ذكرنا من مفهومات ومجتمعات عدة، كما أن القانون ليس العدالة ذاتها. غير أن العلاقة بينهما تظل علاقة غاية ووسيلة وتكامل، ومسار وهدف واحد وواضح. فكل تطور تشهده الأنظمة القانونية هو في حقيقته محاولة جديدة للاقتراب من العدالة، وكل مجتمع يسعى إلى تعزيز سيادة القانون إنما يسعى، بصورة أو بأخرى، إلى بناء مفهوم أكثر رسوخًا للإنصاف والحق.

فالعدالة كمسمى وتطبيقًا أوسع من القانون كممارسة، لكن يبقى القانون يظل أحد أهم الطرق المؤدية إليها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلاقات التي لا يفسدها الصمت

نجاة الذات

جوهر العلاقة بين الإنسان والحياة