الرواية .. الفن الذي يعيد تشكيل الإنسان
في عالم القراءة والتسكَّع الذي بها، كثيرٌ منَّا يخوض في عالم الرواية ويجلس بها بالساعات، لما لها أثر أدبي وإنساني في حياتنا اليوميَّة، لكننا لا نتركها بمجرد الإنتهاء منها، وإنما تستقرُّ في ذاكرتنا ووجداننا، وتعيش في ذواتنا وربطها بمواقفنا التي تحدث معنا.
قد تجدها ربما في موقف، أو مشهد أمامك، أو ربما بشخص تجده يحمل ملامح تلك الشخصية التي لا يمكنك نسيانها.
وكثيرٌ من الأسئلة التي تطرح في الرواية سواءً في الوجود أو غيره، تجدها وبطريقة غير مشابهة حدثت معك بنفس السؤال الذي طرح سابقًا في الرواية.
ولهذا لا تبدو الرواية مجرد وسيلة للترفيه، وإنما مساحة واسعة لاختبار الأفكار، واكتشاف الإنسان، وتأمل الحياة من زوايا يصعب الوصول إليها في التجربة اليومية.
الرواية ليست حكاية فقط
يختزل كثيرون الرواية في أحداثها؛ من البداية إلى العقدة ثم النهاية، لكن هذا التصور لا يكشف حقيقة هذا الفن الأدبي.
فالرواية في جوهرها بناء متكامل، يجمع بين اللغة، والشخصيات، والزمن، والمكان، والحوار، والصراع، حتى تصبح كل صفحة جزءًا من عالم مستقل له قوانينه وإيقاعه وطربه ومتعته الخاصة.
ولهذا تختلف الروايات في أثرها، فليست جميعها تُقرأ بالطريقة نفسها، ولا تغادر القارئ بالدرجة نفسها. فبعضها يعتمد على الإثارة، وبعضها على العمق النفسي، وبعضها على الفكرة الفلسفية ذاتها، وبعضها يكتفي بتقديم صورة دقيقة للحياة كما هي، دون أن يقدم إجابات جاهزة، ويجعلك باحثًا عن تلك الإجابات بالأسئلة التي حملك إياها.
وهذا التنوع هو ما جعل الرواية واحدة من أكثر الفنون الأدبية قدرة على الوصول إلى شرائح مختلفة من القراء.
كيف تغيّر الرواية طريقة النظر إلى العالم؟
تمنح الرواية القارئ فرصة عظيمة ونادرة؛ أن يعيش حياة أخرى دون أن يغادر مكانه.
فخلال مئات الصفحات وعشرات الكتب، ينتقل بين بيئات مختلفة، ويتعرف إلى ثقافات متباينة، ويشاهد الأحداث من منظور شخصيات لا تشبهه في العمر أو الطبقة أو البقعة الجغرافية أو الفكر أو الظروف.
هذا الانتقال المستمر بين وجهات النظر يوسَّع مساحة الفهم، ويجعل الحكم على الآخرين أقل سرعة، لأن الرواية تقدم الإنسان بكل تناقضاته وتعدده.
ولهذا كثيرًا ما يخرج القارئ من رواية جيدة وهو يحمل أسئلة أكثر مما يحمل أجوبة، وهو ما يمنح الأدب قيمته الحقيقية.
الشخصيات التي تتجاوز حدود الورق
ليس غريبًا أن يتذكر الناس أسماء شخصيات روائية مضى على كتابتها عشرات السنين، بينما ينسون أحداثًا قرؤوها قبل أيام.
فالكاتب المتمكن لا يصنع شخصيات تؤدي دورًا في الحبكة فقط، وإنما حياة يمنحها للقارئ ؛ في ماضٍ ودوافع وأخطاء وأحلام ومخاوف.
وعندما تبلغ الشخصية هذا المستوى من الصدق الفني، يصبح من السهل أن تبدو وكأنها شخص حقيقي، وأن يظل حضورها في النفس حتى بعد انتهاء الرواية وانتهاء أحداثها.
الرواية واللغة
قد تكون الفكرة عميقة، لكن اللغة هي الممر الذي يعبر من خلاله المعنى.
ا الرواية ليست تكديسًا للمفردات، ولا استعراضًا للأساليب والمقومات البلاغية، وإنما اختيار دقيق للكلمة المناسبة في المكان المناسب.
ولهذا تتميز الروايات الخالدة، ذات الأثر الخالد بأن لغتها تخدم الحكاية، وتمنحها الإيقاع الذي يناسبها، فتبدو الجمل طبيعية رغم عنايتها، وعذبة رغم بساطتها.
ومن هنا، تصبح القراءة تدريبًا مستمرًا على تذوق اللغة، وفهم تنوع الأساليب، واكتشاف قدرة الكلمات على رسم المشاهد والمشاعر والأفكار.
أثر الرواية في تكوين القارئ
القراءة المستمرة للروايات لا تزيد عدد الكتب المقروءة فحسب، وإنما تسهم في بناء حصيلة لغوية أوسع، وتوسيع الخيال، وتحسين القدرة على متابعة الأحداث وتحليل الشخصيات وربط التفاصيل.
وهذا القول في الرواية الجيدة التي تستحق القراءة، ليس في العموميات وإنما في الجودة والندرة.
ولهذا ينظر كثير من المهتمين بالأدب إلى الرواية بوصفها وسيلة للتأمل في الحياة بقدر ما هي وسيلة للاستمتاع بالحكاية.
ولهذا كانت الرواية، عبر تاريخ الأدب، أكثر من مجرد قصة تُروى؛ كانت مساحةً يتقاطع فيها الخيال مع الواقع، وتلتقي فيها اللغة بالفكرة، ويجد القارئ بين الكلمات ما قد لا يجده في كثير من صفحات الحياة نفسها، بكل تجاربها ومواقفها.
تعليقات
إرسال تعليق