لماذا يحتاج الإنسان إلى المعنى؟
يستطيع الإنسان أن يعرف كيف يعيش، ومع ذلك يبقى عاجزًا أمام سؤال واحد: لماذا؟
نعرف كيف نعمل، وكيف نتعلم، وكيف نبني، وكيف نعبر أيامنا من صباح إلى آخر، ونملك من المعرفة ما يفسر وجودنا ولو بشكلٍ بسيط، ونعرف كل ما يرتبط بنا من مهامٍ وتخصصية. ومع ذلك لم تستطع كل هذه المعرفة أن تُسقط السؤال القديم الذي لم يكن قديمًا في ذواتنا، لما له من حضور قوي بداخلنا: ما الذي يجعل هذه الحياة جديرة بأن تُعاش؟
ربما تكمن غرابة الإنسان هنا تحديدًا بشكلٍ دقيق حتى يُفهم القول الذي أريد أن إيصاله بصوره واضحة؛ حيث أن الإنسان هو الكائن الذي لا يكفيه أن تحدث الأشياء، وإنما يريد منها أن تعني شيئًا مت لا يكفيه أن يفشل، بل يريد أن يعرف لماذا فشل، ولا يكفيه أن يتألم، فيبحث عما يعنيه هذا الألم، وحتى النجاح لا ينجو من السؤال؛ فما إن تهدأ حماسة النجاح، ومن ثم يأتيه ذلك الصوت ماذا بعد ؟ ما الخطوة القادمة ؟ ماذا بعد النجاح؟ كأننا لا نعيش بالأحداث وحدها، وإنما بالمعاني التي نمنحها لها.
لهذا لم يكن غريبًا أن يضع فيكتور فرانكل المعنى في قلب فهمه للإنسان. لم يصل فرانكل إلى فكرته من غرفة هادئة، وإنما من واحدة من أقسى التجارب الإنسانية، بعد أن عاش تجربةٍ قاسيةٍ عندما رأى الإنسان وهو يُجرّد من أشياء كثيرة كان يظن أنها تشكل حياته. هناك لاحظ أن الإنسان قد يخسر حريته وممتلكاته ومكانته، ويبقى متعلقًا بشيء لا يُرى: سبب يجعله يريد أن يستمر. ولهذا جاء كتابه الإنسان يبحث عن المعنى وكأنه يقول إن السؤال عن المعنى ليس ترفًا نمارسه عندما تستقر الحياة، فقد يصبح في بعض اللحظات ما يجعل احتمالها ممكنًا.
لكن ألبير كامو وقف أمام السؤال من جهة أكثر قسوة. في أسطورة سيزيف لم يفترض أن العالم سيمنح الإنسان الإجابة التي يبحث عنها. الإنسان يسأل، والعالم لا يجيبه بالوضوح الذي يريده، وبين حاجتنا إلى التفسير وصمت الوجود يظهر ما سماه كامو «العبث».
وهذه الفكرة مرعبة لأنها تسحب منا افتراضًا نحمله دون أن نشعر: أن لكل شيء تفسيرًا ينتظر أن نفهمه.
نعيد ترتيب الماضي في أذهاننا، ونصل بين أحداث متفرقة، ونقول إن هذا حدث بسبب ذاك، وإن تلك التجربة جاءت لتعلمنا شيئًا، وربما نفعل ذلك لأن الفوضى أثقل من أن نحتملها كما هي. فالشيء الذي نجد له معنى يصبح، بطريقة ما، أسهل في حمله.
لكن ماذا يحدث عندما تسقط المعاني التي اعتدنا الاتكاء عليها؟
هذا السؤال اقترب منه نيتشه بطريقة مختلفة. كان يدرك أن الإنسان لا يعاني فقط من غياب الإجابات، بل قد يعاني عندما تفقد الإجابات القديمة قدرتها على إقناعه. والمشكلة أن هدم معنى قديم أسهل كثيرًا من بناء معنى جديد. نستطيع أن نشك في كل شيء خلال ليلة، لكننا قد نحتاج سنوات حتى نعرف بماذا نؤمن بعد ذلك.
وهنا تظهر مفارقة الحرية: نطالب طويلًا بأن نختار طريقنا بأنفسنا، ثم نكتشف أن كثرة الطرق قد تكون عبئًا هي الأخرى. فأن يخبرك أحدهم أين تذهب قيد، لكن أن تقف أمام ألف طريق ولا تعرف أيها يستحق عمرك نوع آخر من القيد.
ولهذا جاءت الوجودية عند جان بول سارتر لتضع المسؤولية أمام الإنسان نفسه. إذا لم تكن هناك إجابة جاهزة تخبرك من يجب أن تكون، فإن اختياراتك هي التي تبدأ في كتابة الإجابة. أنت لا تعثر على نفسك مكتملة في مكان ما؛ أنت تشارك، يومًا بعد آخر، في تشكيلها وضبطها. وعندها يتغير السؤال قليلًا.
بدلًا من أن نسأل: أين أجد معنى حياتي؟ ربما ينبغي أن نسأل: ماذا أفعل بحياتي حتى يصبح لها معنى؟
الفرق بين السؤالين كبير. الأول يجعلنا منتظرين، والثاني يجعلنا مسؤولين.
وربما لهذا لا يظهر المعنى دائمًا في اللحظات الكبرى كما نتصور. قد يتشكل بصمت من الأشياء التي نمنحها وقتنا، ومن الأعمال التي نرى أنها تستحق أعمارنا، ومن مسؤوليات اخترنا ألا نهرب منها، ومن أشخاص أصبح وجودنا مهمًا في حياتهم. فنحن، دون أن ننتبه، نكتب تعريفًا لما يعنيه وجودنا بالطريقة التي ننفق بها أيامنا.
والوقت ربما يكون أكثر اعترافات الإنسان صدقًا؛ فما تمنحه سنواتك، أنت تقول بطريقة لا تحتاج إلى كلمات إنه يستحق جزءًا من حياتك.
لكن النجاح نفسه لا يستطيع أن يحسم السؤال. ولعل تولستوي واحد من أوضح الأمثلة على ذلك. ففي اعتراف يروي أزمة وجودية داهمته وهو يملك أشياء كثيرة يفترض أنها تمنح الإنسان الرضا: الشهرة والمكانة والأسرة والنجاح الأدبي. ومع ذلك ظهر أمامه سؤال قصير استطاع أن يهز كل شيء: ثم ماذا؟
المزيد من الشهرة، ثم ماذا؟ المزيد من النجاح، ثم ماذا؟ المزيد من السنوات، ثم ماذا؟
وهنا يصبح سؤال المعنى أكثر خطورة، لأننا غالبًا نؤجله خلف أهدافنا. نقول لأنفسنا إننا سنطمئن عندما نصل، وإن الحياة ستصبح أوضح عندما نحصل على الشيء الذي نطارده. والفشل يسمح لنا دائمًا بأن نحتفظ بهذا الوهم؛ فما زال بإمكاننا القول إن سعادتنا تنتظر في مكان لم نصل إليه بعد. أما النجاح فقد يحرمنا من هذه الحجة. عندما تصل إلى ما كنت تظنه النهاية ثم تكتشف أنه محطة أخرى، تضطر إلى إعادة النظر في الطريق كله.
ربما لهذا لا يحتاج الإنسان إلى المعنى لأنه ضعيف، وإنما لأنه واعٍ بالزمن. يعرف أن أيامه محدودة، وأن كل اختيار يأخذ من عمره شيئًا لا يعود، ولذلك لا يكفيه أن يقضي الوقت؛ يريد أن يعرف أن الوقت الذي مضى كان ذاهبًا إلى مكان ما.
وربما لا يكون المعنى حقيقة ضخمة نكتشفها فجأة فتتغير حياتنا إلى الأبد. ربما بالغنا أصلًا في تصور شكله. قد يكون أبسط وأكثر هدوءًا: أن تعرف لماذا تنهض صباحًا، وأن يكون هناك شيء يستحق منك التعب، وأن يكون لوجودك أثر يتجاوز راحتك المباشرة، وأن تستطيع النظر إلى سنوات مضت دون أن تراها مجرد وقت انقضى.
المعنى لا يلغي الألم، ولا يفسر كل خسارة، ولا يجعل العالم أكثر عدلًا، ولا يمنحنا إجابة عن كل «لماذا». لكنه يمنح الإنسان اتجاهًا، وأحيانًا يكون الاتجاه أهم من امتلاك الخريطة كاملة.
ومنذ آلاف السنين تغيرت مدن الإنسان وأدواته وعلومه وطرق حياته، وبقي هذا السؤال يسافر معه. ربما لأن معرفة كيفية البقاء على قيد الحياة لم تكن كافية يومًا؛ فالإنسان يريد أن يعرف ماذا يفعل بهذا البقاء.
ولهذا قد يكون السؤال الأكبر: «ما معنى الحياة؟» أكبر من أن تجيبه حياة واحدة.
وربما السؤال الأصدق ليس ما معنى الحياة، وإنما: ما الذي يجعل حياتك أنت جديرة بأن تُعاش؟
لا أحد يضمن أننا سنجد إجابة نهائية، وربما تتغير الإجابة كلما تغيرنا. لكن لعل الإنسان لا يحتاج في نهاية الطريق إلى جملة تفسر وجوده كله، بقدر حاجته إلى أن ينظر إلى ما اختاره، وما منحه وقته، وما تحمله، وما تركه خلفه، ثم يشعر أن أيامه لم تكن مجرد أيام حدثت له. وأن حياته، وسط كل هذا الغموض، كانت تشير إلى شيء.
تعليقات
إرسال تعليق