لماذا نُرهق أنفسنا بمحاولة فهم كل شيء؟
لطالما أتسائل بيني وبين نفسي، لما نحاول فهم كل شيء؟، هل الأمر يستحق هذه الضرورة الكبرى التي من خلالها لا بد معرفة كل شيء؟ أم أن هنالك خيارًا متاحًا دون أن يكون واجبًا علينا.
أعتقد كل منا ثمة أشياء كثيرة تمرُّ في حياتنا وتنتهي في الواقع، لكنها لا تنتهي في داخلنا؛ مثل المواقف العابرة التي لم تستعد لها، كلمةٌ قيلت في وقتٍ لم تكن مستعد له، شخصٌ اختار أن يتغير طبعه وعلاقته معك، علاقةٌ تنطفئ بهدوء لم تشعر بها، فرص مرت باعتقادنا أنها لنا، أو مسار مضيت به حتى شعرت أن المسار ليس مسارك، إنك في الطريق الخطأ. تنتهي الحكاية في ظاهرها، ويواصل كل شيء سيره الطبيعي، إلا أننا نبقى واقفين عندها، نحاول أن نفهم: لماذا حدث ذلك؟
ربما لا يتعب الإنسان من الأحداث بقدر ما يتعب من محاولته المستمرة لتفسيرها. فنحن لا نرضى دائمًا بأن نقول إن شيئًا ما حدث وانتهى، بل نريد أن نعرف السبب، وأن نعثر على اللحظة التي تغيّر عندها كل شيء، وأن نعود إلى التفاصيل القديمة بحثًا عن شيءٍ لم ننتبه له. نستعيد الكلمات ونراجع المواقف، ونمنح الصمت احتمالات كثيرة، ونقرأ بعض الذكريات كما لو أنها وثائق قضية قديمة ما زلنا نبحث فيها عن دليل أخير.
ولعل أكثر ما يجعل هذا البحث مرهقًا أننا نظن أن الفهم سيمنحنا الراحة. نقنع أنفسنا بأن سؤالًا واحدًا فقط بقي بلا إجابة، وأننا متى عرفناها هدأ كل شيء في داخلنا. ولهذا نستمر في السؤال، حتى إذا وجدنا إجابة لم نكتفِ بها، وانتقلنا إلى سؤال آخر. لماذا فعل ذلك؟ ولماذا في ذلك الوقت؟ ولماذا لم يقل؟ ولماذا لم أفهم؟ وماذا لو كنت قد تصرفت بطريقة مختلفة وأراها جيدة؟ وهكذا يتحول البحث كل بابٍ فيها يفتح بابًا آخر.
العقل بطبيعته لا يحب الفراغ، ولا يرتاح أمام الأشياء الناقصة التي لا تؤدي إلى نتيجة. يريد أن يضع لكل حدث سببًا ونتيجة، ولكل نهاية تفسيرًا واضحًا. تلك بروتوكول العقل، لا يمكنك تغييره ولا يمكنك الفرار من ذلك. تلك متطلبات للعقل، ووجب علينا إشباع رغباته.
لكن الحياة أكثر اتساعًا من أن تُختصر في قاعدة واحدة. قد تتشابه البدايات وتختلف النهايات، وقد تفعل الشيء ذاته مرتين فتحصل في كل مرة على نتيجة مختلفة، لأن الأشخاص يتغيرون، والظروف تتبدل، ونحن أنفسنا لا نبقى كما كنا. نتعلم من التجارب، نعم، لكن التجربة لا تمنحنا حصانةً من الحياة، وإنما تمنحنا قدرًا أكبر من الوعي ونحن نخوضها.
وليس كل ما يحدث لنا قابلًا للفهم ولا بد من الفهم. بعض الناس لا يعرفون هم أنفسهم لماذا تغيروا، وبعض القرارات وُلدت من عشرات التفاصيل الصغيرة التي يستحيل جمعها في سببٍ واحد، وبعض العلاقات لا تنتهي بسبب حادثة كبيرة، وإنما تبهت قليلًا قليلًا حتى يأتي يومٌ يكتشف فيه الطرفان أن المسافة بينهما أصبحت أكبر من الكلام.
تعليقات
إرسال تعليق