الحياة التي تحدث على الهامش
ثمة جزءٌ كبير من الحياة يمضي دون أن نمنحه ما يستحق من الانتباه، لا لأنه قليل الأهمية، وإنما لأننا اعتدنا أن نقيس قيمة أيامنا بما يحدث فيها من تحولات واضحة. نلتفت إلى ما يغيّر اتجاهنا، ونتذكر ما يصنع فارقًا ظاهرًا، ونترك ما بين ذلك يمر وكأنه مساحة لا تستحق الوقوف عندها، وتلك التفاصيل الصغيرة لا ننظر لها بتاتًا، وكأنه شيءٍ ثانوي لا يستدعي التوقف عنده.
وربما كان هذا أحد أكثر تصوراتنا غرابة عن الحياة؛ أن نظن أن قيمتها تكمن في لحظاتها الكبرى وحدها، وهذه نظرة شمولية جماعية ننظر لها، وكأن الأمر هكذا فعلاً!
فالإنسان لا يتشكل فقط بما حققه، وإنما بما سعى له وركض خلف الاتجاه، وبما مرَّ به أثناء الطريق من صدماتٍ ومعارف وقناعات اكتسبها. ثمة أشياء تعمل في أعماقنا بهدوء، تغيّر رؤيتنا، وتعيد ترتيب أولوياتنا، وتمنحنا فهمًا مختلفًا لأنفسنا والعالم، دون أن نستطيع تحديد اللحظة التي بدأ فيها كل ذلك.
لا يحدث النضج في يومٍ محدد، ولا نستيقظ فجأة وقد أصبحنا نسخة أخرى من أنفسنا. التحولات الحقيقية غالبًا بطيئة وتنمو على مهلٍ شديد، إلى درجة أننا لا نراها وهي تحدث. تمر الأيام والساعات، وتتراكم التجارب، وتتراجع أفكار، وتتقدم أخرى، ونكتسب أشياء جديدة من أفكار وقناعات وتصورات حياتية، حتى نلتفت بعد زمن فنجد أن المسافة بين ما كنا عليه وما أصبحنا عليه أكبر مما توقعنا. وهذه المسافة هي ما نتجاهله كثيرًا.
نحن شغوفين بالنتائج لأنها واضحة، بينما يصعب علينا تقدير الطريق الذي صنعها. نرى الصورة الأخيرة ولا نرى آلاف التحولات الصغيرة التي سبقتها، مع أن الإنسان في جوهره ليس نتيجة لحظة واحدة، وإنما حصيلة ما تراكم فيه على امتداد سنواته وخبراته وتجاربه في الحياة، تلك القيمة التي نجهلها، لهذا قد يكون ما نسميه «الهامش» أكثر تأثيرًا من المتن نفسه.
في الهامش تتكون القناعات ببطء ودون دراية، دون أن نعلم، دون أن نشعر، وتتبدل نظرتنا للأشياء، ونعرف ما يستحق منا الاستمرار وما ينبغي تجاوزه. فيه نفهم بعض الأسئلة بعد أن كنا نظن أن إجاباتها سهلة، ونفقد يقينًا قديمًا لنكتسب وعيًا أوسع، ونعيد النظر في أشياء حسبنا يومًا أنها محسومة ومنتهية. والمفارقة أننا لا نعرف قيمة كثير من المراحل إلا بعد تجاوزها، وذلك ما يأتي بغلاف نسميه ( الندم )
المسافة تمنح الأشياء حجمها الحقيقي. ما كان يبدو عابرًا قد يتضح أنه ترك أثرًا عميقًا، وهذه النقطة نجدها كثيرًا في العلاقات، إذ أننا لا نعرف قيمة الشخص إلا بعد فقدانه، وما ظنناه تحولًا كبيرًا قد يصغر مع مرور الزمن ونراه بصورته الحقيقية، كأن العمر يعيد ترتيب أحداثه بعد أن تقع، فيضع في الواجهة أشياء أهملناها، ويعيد إلى الهامش أشياء منحناها أكبر من حجمها. ربما لهذا لا يمكن قراءة الحياة أثناء حدوثها قراءةً كاملة.
وكلما مضى بنا الزمن، أدركنا أن الحياة لم تكن سلسلة من الأحداث الكبرى كما تصورنا، وإنما بناءً هادئًا شاركت فيه أشياء كثيرة لم ننتبه إليها في وقتها، شعرنا فيها سابقًا بعد مضيء الوقت والزمن.
وعندها ندرك أن الهامش الذي تجاوزناه سريعًا، كان يكتب في الخفاء الجزء الأكبر من الحكاية.
تعليقات
إرسال تعليق