ما يفعله التكرار بنا !

نحن عادةً نظن أن حياتنا تتشكل في القرارات الكبرى التي تحدث في حياتنا مثل التخصص الذي اخترناه، الوظيفة التي قبلناها، المدينة التي انتقلنا إليها، والأشخاص الذين قررنا أن نكمل الطريق معهم. ومن ثم نعود إلى هذه القرارات كلما أردنا تفسير ما أصبحنا عليه، ونمنحها الجزء الأكبر من من حياتنا، مع أن جزءًا كبيرًا منا تشكّل في أماكن أصغر بكثير، في أشياء لم نتوقع يومًا لنسميها قرارات ذات أثر عالي في مصيرنا! 

مثل يومنا البسيط مثل الطريقة التي نبدأ بها صباحنا، في أول شيء نفعله عندما نشعر بالملل، في الكلمات التي نكررها، في الطريق الذي نسلكه كل يوم، في الأشخاص الذين نعود إليهم، وفي تلك التفاصيل الصغيرة التي فعلناها مرات كثيرة حتى توقفت عن مطالبتنا بالتفكير. إنها العادة تلك هي التي تحكمنا. 

والعادة في أبسط صورها ليست سوى فعل وجد طريقه إلى التكرار، ثم استقر. في المرة الأولى نفكر فيه، وفي المرات التالية نحتاج إلى قدر أقل من التفكير، وبعد زمن يصبح جزءًا مألوفًا من يومنا. ولهذا تبدو بعض أفعالنا وكأنها تحدث وحدها؛ اليد التي تمتد إلى الهاتف فور الاستيقاظ، القهوة في ساعة محددة، الطريق نفسه إلى العمل، أو تلك الكلمات  التي نقولها بالطريقة ذاتها كلما واجهنا موقفًا متكررًا.

وهذه القدرة ليست عيبًا في الإنسان، وإنما إحدى الوسائل التي تجعل الحياة ممكنة. لو احتجنا إلى التفكير من البداية في كل حركة نقوم بها، لأصبح اليوم سلسلة طويلة من القرارات المرهقة والمتعبة. 

المثير أن الأمر لا يتوقف عند الأفعال الواضحة. نحن نعتاد طرقًا في النظر أيضًا.

يمكن للإنسان أن يعتاد الشكوى حتى تصبح أول تفسير للأحداث، لأنه من خلال هذا التصرف لديه قناعة على وضوح الأشياء وبهذا يفعل هكذا تصرفات. وتجده أيضًا يعتاد البحث عن الخطأ حتى تلتقطه عينه قبل أي شيء آخر. ويمكنه، في الاتجاه المقابل، أن يعتاد السؤال والقراءة والمراجعة والإنصات.

لهذا تحمل البيئات التي نعيش فيها أثرًا أكبر مما نتصور. فالإنسان الذي يعيش بين الكتب تختلف الأشياء التي تقع عليها عيناه كل يوم عن شخص لا يراها. ومن يجلس باستمرار مع أشخاص يتحدثون عن الأفكار والمشاريع والأسئلة يتعرض لنوع من الحديث يختلف عمن يعيش وسط دائرة أخرى. ليس معنى ذلك أن البيئة تكتب مصير الإنسان كاملًا، لكنها تضع أمامه باستمرار أشياء معينة حتى تصبح مألوفة. والمألوف قوة هادئة لا تعرف أثرها في الوقت نفسه. وإنما بعد وقت. 

الحياة كما هو معلوم في معظمها ليست أيامًا استثنائية وخارقة، معظم العمر أيام عادية، نصحو فيها في أوقات متقاربة، ونذهب إلى الأماكن نفسها، ونلتقي بالأشخاص أنفسهم، ونكرر كثيرًا مما فعلناه بالأمس.

حتى المعرفة نفسها تقوم على هذا المبدأ. لا يصبح الإنسان واسع الاطلاع لأنه قرأ كتابًا واحدًا عظيمًا، وإنما لأن القراءة وجدت لها مكانًا مستمرًا في حياته. ولا تصبح الكتابة أكثر نضجًا بسبب نص واحد، وإنما بفعل الكتابة والمراجعة والحذف وإعادة المحاولة مرة بعد أخرى.

ولذلك قد يكون من الأدق أحيانًا، بدل أن نسأل الإنسان عمّا يريد أن يصبح عليه بعد خمس سنوات، أن نسأله عمّا يفعله في يومه العادي. فالطموحات تخبرنا عن الوجهة، أما العادات فتخبرنا عن الطريق الذي نسير فيه بالفعل.

وفي جانب العلاقات أيضًا، علاقتنا بالآخرين تتكون بهذه الطريقة. المحبة لا تعيش على المناسبات الكبيرة وحدها، والصداقة لا يحفظها موقف واحد، والثقة لا تُبنى بكلماتٍ كثيرة. كثير من العلاقات تصنعها التفاصيل المتكررة؛ سؤال، حضور، إنصات، كلمة، موعد جيد. وكذلك تنهار أحيانًا بالطريقة نفسها، عبر أشياء صغيرة تتكرر حتى يصبح مجموعها أكبر من أن يُتجاهل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلاقات التي لا يفسدها الصمت

نجاة الذات

جوهر العلاقة بين الإنسان والحياة