من أين تأتي قناعاتنا ؟

كنتُ أظنّ أن قناعات الإنسان تنشأ حين يفكّر في أمرٍ طويلًا، من خلاله يتشكّل الأمر، ثم يختار موقفه منه. لكنني حين حاولتُ أن أتذكر كيف تكوّنت بعض آرائي، لم أجد قرارًا واضحًا اتخذته. وجدتُ عباراتٍ سمعتها كثيرًا في البيت، وأفكارًا ترددت بين الأصدقاء، وأحكامًا قرأتها حتى ألفتها. دخلت حياتي شيئًا فشيئًا، إلى أن صرتُ أنطق بها بصوتي، وذلك طبيعيًا، لأن أغلب العوام تنشئ آرائهم بهكذا مشاهد. 

نرث من بيئاتنا أكثر مما ننتبه إليه. نتعلم مبكرًا ما الذي يُعدّ نجاحًا، وعكس ذلك. ونركض ونسعى كثيرًا حول ذلك. 

وماهي الأعمال التي تستحق التقدير والاحتفاء ؟ ، وكيف ينبغي للمرء أن يقضي عمره في ما يحب أو يطمح إليه. تمنحنا هذه الأفكار لغةً نفهم بها العالم، وكل شيءٍ حولنا،  وقد ترافقنا سنواتٍ قبل أن نسأل أنفسنا عن أصلها. وحين نواجه تجربةً لا ننسجم معها، نشعر بحيرةٍ يصعب تفسيرها، نعيش في الشعور الذي يجب أن نعيشه، ونعيش في التردد بين محاولة البقاء أو الذهاب. وبين هذا وذاك، ما عشنا على تصديقه يقول شيئًا، وما رأيناه بأعيننا يقول شيئًا آخر.

أتذكر أنني كنتُ أقرأ بعض النصوص وأثق بحكمها على الأشخاص والأحداث لمجرد أن لغتها بدت واثقة. ثم بدأتُ، بحكم عملي في الكتابة والإعلام، أنتبه إلى أثر اختيار الكلمات وترتيب الوقائع. قد تصف روايتان الحدث نفسه، وتتركان في قارئهما انطباعين مختلفين. منذ ذلك الوقت صرتُ أتمهّل قبل أن أستعير رأيًا جاهزًا؛ أسأل عمّن يروي، وما الذي عرفه، وما الذي بقي خارج النص؟ 

وتعلّمنا التجربة والممارسة ما تعجز عنه الآراء العامة. والتي لا يمكن لها أن تنتهِ، يسهل أن نكوّن حكمًا على عملٍ لم نمارسه، أو على قرارٍ لم نتحمل تبعاته. ثم نخوض تجربةً قريبة منه، فنرى تفاصيل وأشياء كانت غائبة عنا. قد نبقى على موقفنا بعد ذلك، لكننا نحمله بفهمٍ أوسع، وبقدرٍ أقل من القسوة على من اختاروا غيره.

لهذا تهمّني اللحظة التي أغيّر فيها رأيي. لأن ذلك هي الحرية بمفهومها العام، أن يكون الإنسان حرًا في تغيير آرائه وقناعاته. ومع ذلك لا تحدث دائمًا دفعةً واحدة. تبدأ أحيانًا بسؤالٍ يطرحه شخصٌ ما، أو بكتابٍ أقرأه، أو بموقفٍ يجعلني أشعر أن إجابتي التي احتفظت بها لم تعد كافية أو كاملة.

لا أستطيع فحص كل فكرةٍ تمرّ بخاطري، لكنني أستطيع أن أنتبه إلى القناعات التي أرتّب عليها قراراتي وأحكامي على الناس. حين أقول مثلاً ( أنا أؤمن بهذا ) يحق لي أن أسأل نفسي: من أين جاء هذا الإيمان؟ هل عرفته بالتجربة، أم تلقيته ممن أثق بهم، أم اعتدته لكثرة ما سمعتُه؟ لكل طريقٍ أثره في قوة القناعة، وفي الطريقة التي ينبغي أن أحملها بها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلاقات التي لا يفسدها الصمت

نجاة الذات

جوهر العلاقة بين الإنسان والحياة