المشاركات

فن التغيير

من المقاطع التي ألهمتني كانت للمؤثر أحمد الشقيري يقول في معنى كلامه: إن أردت أن تتخلّص من عادةٍ سيئة، اخلق عادةً جيدة في حياتك. وهذه الجملة البسيطة تختصر فلسفة التغيير كلها. فالنفس لا تُشفى بالمنع، بل بالبديل. ولا تنطفئ ظلمةٌ بالرفض، بل بالنور. ثمة شيء خفيّ في النفس يجعلها لا تطيق الفراغ. حين تنزع منها عادةً، تبحث فورًا عن شيءٍ يسدّ المساحة التي تُركت فيها. وكأنّ النفس بيتٌ لا يحتمل الفراغ، لابد أن يُشعل فيه ضوءٌ أو يُفتح فيه باب. لهذا، لا يكفي أن نقول: أريد أن أتخلّص من هذه العادة، لا بد من أن تفكر ببناء عادة أخرى عكس العادة التي تم التخلص منها، تُبنى مرونة، وفراغٌ يُسد.  إن الذي يُخلّصك من عادةٍ تُرهقك، هو أن تجد عادةً تُحبّها أكثر، هكذا الإنسان جُبل على التغيير والنفس المُشبعة، الفراغ فاتل ومهلك.  في نهاية الأمر، التخلّص من العادات السيئة ليس حربًا تُخاض بالسيوف، بل حكاية تُكتب بالقلب. ومن تلك اللحظة، تتبدّل أشياء كثيرة دون صخب، ودون وعود كبيرة. فما أروع أن تتغيّر بهدوء، كأنك تنضج لا أكثر.

فلسفة العزلة واتساع الحضور الإنساني

من الأشياء النادرة في هذا العالم المزدحم بكل شيء، أصبح الصمت بوصفه شيئًا غريبًا ومختلفًا من يتملكه أو يعيشه ويجعله ضمن روتينية الحياة.  نستيقظ على ضجيج الأخبار والأحداث التي أراها في العالم بشكلٍ أجمع، نتعاطى القضايا العالمية ونحن نبعد عنها آلاف الكيلوات والأمتار، وكأنها بالقرب منّا وقضية شخصية تمسُّنا، وتمسُّ المجتمع الذي نعيش فيه ونحن نتنفس  ضوضاء الأجهزة، وننام على أصوات لا تشبه النوم. كأن العالم كله يتحدث في الوقت نفسه، ولا أحد يُصغي إليه.  العزلة، في وسط كل هذا، لم تعد ترفًا كما يظن البعض، بل ضرورة لتبقى أرواحنا قادرة على الإصغاء لأنفسها، كما أنها أمرٌ ضروريّ للغاية، بالتزامن مع ماذكرت هذا التدخل الكبير الذي يعيش في كل منّا، دون أن يعيش المرء في ذاته.  إن العزلة هي ليست انقطاعًا عن الآخرين، بل عودة إلى الداخل، إلى النقطة التي يمكن أن نرى منها كل شيء بوضوح أكثر. حين نختار العزلة، لا نهرب من الناس، بل نبحث عن مسافة آمنة بيننا وبين كل ما يربكنا. في العزلة هنالك الكثير من التغيرات حيث تتغير الأصوات من الخارج إلى الداخل، نسمع حديث أفكارنا وكأنه يأتي من بعيد، نراجع ال...

الأدب والكتابة كفعل وجودي

إن ممارسة الكتابة بمفهومها العام ليس بالضرورة أن من يُمارس هذه العادة أن يكون كاتبًا كما يسمى أبن هذه المهنة، وعلى وزن هذا الاعتقاد أن ليس كل من يتنفس حيًّا، الكتابة ليست حرفةً لغوية، بل حالة وجودية خالصة. هي تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أنه كائن عابر في هذا الكون، فيحاول أن يترك أثرًا، أن يقول: كنتُ هنا، وفكّرتُ، وتألمتُ، وأحببتُ، وكتبت. كل حرف يُكتب هو مقاومة ضد العدم، ضد ما هو يُعمل سلبًا تجاهك، وعلى الصعيد الآخر كل جملةٍ صادقة هي محاولة لانتزاع لحظة وعيٍ من فم الزمن. وحين يكتب الإنسان، لا يدوّن فقط ما يحدث حوله، بل يخلق ما لم يحدث بعد. الكتابة بهذا المعنى ليست نشاطًا ثقافيًا فحسب، بل فعل وجودي يُثبت من خلاله الكاتب ذاته في العالم. ثمة كُتّاب يكتبون لأن الكتابة مهارة، وثمة آخرون يكتبون لأنهم لا يستطيعون العيش دونها، وهذه هي الكتابة بعينها وبمفهومها الواسع الذي أسميه ( الجميل )  الفئة الثانية هي التي تصنع الأدب الحقيقي. فالكاتب الذي يكتب ليمرّر الوقت، يكتب نصوصًا ميتة، بينما من يكتب لأنه يختنق، يولد في كل جملة. الكتابة ليست رفاهية فكرية، بل طوق نجاة، ومحاولة البحث عن معنى وج...

فن النجاة بتوازن

الحياة مجموعة من التقلبات التي نواجهها، ونتعامل معها كضرورة لا بدّ منها، على مختلف الأصعدة والمجالات؛ في العلاقات الاجتماعية، والصداقة، وحتى في الزواج. فالإنسان، ما دام يعيش بين الناس، عليه أن يتقبّل اختلافهم، ويفهم وجهات نظرهم، دون أن يجعل من الاختلاف حاجزًا أو خصومة. إن مفهوم الحياة الحقيقي، ينبع من التأمل في معناها، والتفكّر في تفاصيلها، وإيجاد الحلول لمشكلاتها، واستثمار فرصها، وحبّ ما ينفعنا منها، وترك ما يضرّنا. هذه الخطوات هي السبيل الأمثل للتعامل مع الحياة كما هي، لا كما نريدها أن تكون. الحياة طريقٌ طويل، علينا أن ننتفع من دروسه، دون أن نحمل أعباءه فوق طاقتنا، ودون أن نُثقل أنفسنا بما لا نملك تغييره. فالذكاء الحقيقي ليس في الهروب من صعوباتها، بل في حسن التعامل معها، واتخاذ القرارات بعقلٍ راجحٍ ونَظرٍ بعيد.

لغة الطمأنينة

إن الشعور بالسلام في حياتنا، أصبح ضرورة مستمرة لأجل وضوح الأشياء من حولنا، ولأجل تهذيب النفس وتحسينها عن كل ما يحدث في حياتنا من تفاعلات حياتية يومية نواجهها، ومن ضمن هذه الأشياء التي أُمارسها بشكلٍ مستمر، هي القراءة والكتابة.  إن القراءة والكتابة هي سلامٌ لا يُرى ولا يُلمس، سلامٌ يتسرّب إلى الروح من بين السطور ومن تحت أصابعنا حين نمسك بالقلم. ليس سلام المدن ولا هدوء الطرقات، بل سلام داخليّ يشبه الهمس، يمنحنا القدرة على الاستمرار وسط ضجيج الحياة. حيث أن القراءة ليست مجرد هواية أو وسيلة للمعرفة، بل طريق خفيّ يفتح أبوابًا لم نطرقها يومًا. كل كتاب هو رحلة إلى عوالم أخرى، إلى عقولٍ وأفكار وتجارب لم نعشها لكننا نشعر بها. حين نقرأ، نخرج قليلًا من ضيق اللحظة لنطلّ على أفق أوسع، فنكتشف أن قلقنا ليس أبديًا، وأن أحزاننا ليست وحيدة. أما الكتابة فهي الطريق الموازي، الذي لا يُقلّ شأنًا عن القراءة. إنها البوح الآمن الذي يحرر ما نحمله في داخلنا، دون خوف من حكم الآخرين أو سوء فهمهم. الكتابة تسمح لنا أن نرتب فوضانا الداخلية، أن نحول الأسئلة الثقيلة إلى جُمل، والذكريات الموجعة إلى حروف أخف وزنًا. وك...

حوارات لا تعرف الصمت

الحياة مجموعة من الأحاديث الطويلة التي تقودنا إلى العمق وطرح الأسئلة التي لا تنتهي، قد تكون كلماتنا مع الآخرين، أو حواراتنا الداخلية التي تدور بصوت خافت في عقولنا، هنالك أحاديث عابرة لكنها تبقى بالوجدان والمخيلة مثل غريب  لا نتذكر وجهه لكن تبقى كلماته. الأحاديث هي أساس علاقاتنا ومشاعرنا وحتى على مستوى ذاكرتنا، من خلال الحديث يُبنى ويهدم كل شيء ممكن أن يكون.  قد ينتهي اللقاء ويمرُّ عليه سنوات طويلة لكن تبقى الكلمات حاضرة وكأنها لم تُقل إلا قبل لحظة. حتى في السؤال مع أنفسنا نحن لأحاديثنا وأحاديثنا لنا، نحن أسرى لها، نسائل الماضي، ونعاتب الحاضر، ونفاوض المستقبل. وهذه الحوارات الداخلية هي التي تُشكل قراراتنا وتُوجّه مساراتنا. أجمل ما في الأحاديث أنها لا تخضع للنهاية الحقيقية؛ فهي تستمر معنا، تتحوّل وتتجدد. حديث اليوم قد يصبح قصة الغد، وحديث البارحة قد يكون عزاءنا في لحظة صعبة. إنها الأحاديث التي تُعطي للحياة صوتها، وتجعلها أبعد من مجرد أيام صامتة تمضي.

كيف تصنع الكلمات حياة جديدة ؟

في أيامنا البسيطة التي نعيشها، هنالك تفاصيل صغيرة مُحمّلة في زوايا يومنا، يذوب في الزحام، وبعضها يترك أثرًا لا ننساه. عند الإمعان بها نكتشف أن هذه التفاصيل لم تكن عابرة أو عادية الحضور كما كنا نظن.  الكتابة هي وسيلتنا لنلتقط ما يفلت، لنحفظ ما كاد يتبخر، هي فنٌ للالتقاط للأشياء التي لو تركناها للحظة لذهبت دون أن نعلم. هذه كلها أشياء صغيرة، لكنها في الكتابة تتحول إلى نسيج عميق يحملنا نحو فهم أنفسنا والعالم من حولنا. ما أجمل أن تعيش الشيء دون أن يكون لذاته، بسببٍ حدثًا كبيرًا، أو قراءة مشهد وجب ذلك، بل أن يُنفّذ دون أن يُطلب منك، مثل ابتسامة عابرة نصًا يُقرأ، ومن شعور داخلي فكرة تُلهم، ومن صمتك جملةً تقول ما عجزت عنه. حيث أن الكتابة هنا لا تكون مجرد هواية أو عادة، بل تصبح حياة أخرى موازية، أكثر صفاءً، وأقرب إلى القلب.  وحين نتأمل، نكتشف أن الكتابة ليست فنًا نخاطب به الآخرين فقط، بل هي حوار داخلي صادق نابع من أعماقنا ومن أحاديثنا الداخلية التي لم ننصت لها بعد.  هي المرآة التي نرى فيها وجوهنا كما هي، بلا تزيين ولا مجاملة. هي صوتنا حين نحتاج أن نسمع أنفسنا، ويدنا حين نبحث عن سن...