هل نبحث عن الحقيقة، أم عمَّا يطمئننا؟

أثناء بحثنا عن تلك المعلومات والأحداث التي نعمل على فهمها، وفهم حقيقتها. وعلى العكس تمامًا هنالك من ولدت فيه المعلومة منذ نشأته، أي بمعنى ليس كلُّ ما نصدّقه قد وصل إلينا بعد رحلةٍ طويلة من البحث؛ بعض الأفكار وُلدت فينا مبكرًا، ثم كبرت معنا حتى بدت كأنها جزءٌ من طبيعتنا وحياتنا. نألفها، ونتفحص فيها، ونستند إليها، ونبني حولها تفسيرنا للأحداث والوقائع من حولنا. ومع مرور الوقت، قد يصبح السؤال عنها أثقل وأصعب من التمسك بها.

للحقيقة كلفةٌ لا تظهر في الكتب ومنصات التواصل الاجتماعي: قد تطلب من الإنسان أن يعيد النظر في رأيٍ دافع عنه طويلًا، أو أن يعترف بأن فهمه كان ناقصًا، أو أن يواجه واقعًا تمنّى لو كان مختلفًا. لذلك تميل النفس أحيانًا إلى الفكرة التي تمنحها سكينةً عاجلة ومطمئنة يطمئن من خلالها الإنسان، ويبتعد عن الفكرة التي تزعزع ترتيبه وكيانه الداخلي.

ومن هنا يختلط طلب الحقيقة بطلب الطمأنينة. كما ذكرت هنالك نوعان في هذا العالم. 

نقرأ ما يؤيد تصوراتنا، ونصغي أكثر لمن يشبهنا حتى في جانب العلاقات قد تجدنا أحيانًا ندافع عن أشخاص ليس معهم الحقيقة، ونفسّر الوقائع بطريقةٍ تحفظ قصتنا عن أنفسنا. وقد نظن أننا نبحث عن الدليل، بينما نبحث في أعماقنا عن حجةٍ تُبقي ما اعتدنا عليه كما هو، تلك الحجة المطمئنة التي بعد مضيّ الوقت، هي نكبةً علينا! 

لكن الطمأنينة التي تقوم على تجنّب الأسئلة والابتعاد عنها هي في الحقيقة هشة وضعيفة للغاية، 

يكفي البحث عن الحقيقة أن تظهر واقعةٌ جديدة حتى يتصدّع ويهتز اليقين الذي أحطناه بالصمت. أما الطمأنينة التي تنشأ من الفهم، فتتّسع للشك المؤقت، وتقبل المراجعة والإعادة، وتمنح العقل وقتًا ليرى الصورة من أكثر من جهة.

ولعلّ الصدق الفكري والشخصي مع نفسك يبدأ من سؤالٍ  تسأله لنفسك: لو قادتني الأدلة إلى نتيجةٍ لا أحبها، فهل أقبلها؟ هذا السؤال لا يضمن الوصول إلى الحقيقة، لكنه يكشف لنا شيئًا عن دوافعنا: هل نريد أن نفهم، أم نريد أن ننتصر لما فهمناه سابقًا؟

البحث عن الحقيقة يحتاج شجاعةً وصدقًا في البحث عن المعلومة دون التحيزات في الجوانب الشخصية التي تمسك وتحيط بك؛ شجاعة الإصغاء إلى ما يربكنا حتى نفهم، والتمييز بين الدليل والرغبة حتى نتعلم، وترك مساحةٍ لاحتمال أن تكون أفكارنا قابلةً للنمو والتطور. فالعقل الذي يراجع نفسه لا يفقد اتزانه؛ إنه يتعلّم أن يبني يقينه على معرفةٍ أوسع.

وربما لا تكون الحقيقة دائمًا مصدر الراحة، لكنها تمنحنا أساسًا أصلب منها: أن نرى العالم بوضوحٍ أكبر، وأن نعرف أنفسنا بصدقٍ أعمق. وحين نسأل عمّا نبحث، نكتشف أن أصعب الأسئلة ليست تلك التي تكشف لنا العالم، بل تلك التي تكشف لنا ما نريد أن نراه فيه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلاقات التي لا يفسدها الصمت

نجاة الذات

جوهر العلاقة بين الإنسان والحياة