وهم المعرفة الكاملة: لماذا نعتقد أننا نعرف أكثر مما نعرف؟
قبل سنوات في طفولتي الرائعة وأنا أجمع الكتب وأتصفحها، رغبةً في امتلاك ومعرفةً جميع العلوم الدنيوية، كنت أظن بامكاني معرفة كل التفاصيل في هذا الكون. من خلال قراءة تلك الصفحات وتناول تلك الكتب. كنت أعتقد أن كثرة المعلومات تجعل الإنسان أكثر قدرة على فهم الأشياء، وفهم كل شيء حوله. وأن سرعة الإجابة عن الأسئلة علامة على سعة المعرفة وكبرها. لكنني اكتشفت مع الوقت أن المسألة أعقد من ذلك بكثير؛ فقد يعرف الإنسان أسماء الأشياء وتعريفاتها، ويستطيع الحديث عنها بثقة، ثم يعجز عن تفسير أبسط تفاصيلها عندما يُطلب منه ذلك.
ولعل أغرب ما في المعرفة أنها تمنحنا أحيانًا شعورًا بالاكتفاء قبل أن نبلغ مرحلة الفهم الحقيقي. وكأنك تتناول وجبةً شهيةً، وتتوقف في منتصفها.
مثلاً نقرأ مقالًا، أو نستمع إلى محاضرة، أو نشاهد مقطعًا يشرح ظاهرة معينة، فنخرج بانطباع أننا أصبحنا نعرف الموضوع. لكن هل نعرفه فعلًا، أم أننا نعرف فقط ما يكفي للحديث عنه؟، وهذا فرق شاسع بينهما!
أنت في الحقيقة ليس مطالب منك معرفة كل شيء، وليس واجبًا أن تعرف تلك التفسيرات الكونية، وكيف نشأت، وقبل كم، ولماذا نشأت أصلاً؟ ، نحن لسنا مطالبين بمعرفة تفاصيل كل شيء، لكن المشكلة تبدأ حين نخلط بين الألفة والفهم.
لماذا تمنحنا المعلومات ثقة زائدة؟
من السهل اليوم الوصول إلى المعلومات. بالذات مع ظهور الذكاء الاصطناعي الذي قضى على الكثير من الجهود بضغطة زر!، يكفي أن نكتب سؤالًا في محرك البحث حتى تظهر أمامنا عشرات الإجابات خلال ثوانٍ. وقد جعل هذا الوصول السريع إلى المعرفة حياتنا أكثر سهولة، لكنه أوجد أيضًا التباسًا بين امتلاك المعلومة والقدرة على الوصول إليها.
هنالك فرق الان مع هذا السلوك، أنت وصلت اليها بصورك سريعة لكنك لم تمتلكها بشكلٍ كافي.
هناك فرق بين أن أعرف شيئًا، وأن أعرف أين أجده.
الجهل الذي لا نشعر به:
من المفارقات أن الإنسان يحتاج إلى قدر من المعرفة وكذلك وقت حتى يستطيع اكتشاف ما يجهله.
فالشخص الذي يبدأ تعلم لغة جديدة قد يظن في البداية أن إتقانها مسألة حفظ مفردات وقواعد محدودة. لكنه كلما تقدم في التعلم، اكتشف تفاصيل لم يكن يعرف بوجودها أصلًا؛ من اختلاف السياقات إلى دقة التعبير وتنوع الاستخدامات، وطريقة إتقانه لتلك اللغة أيضًا، من المستحيل جدًا أن تكون طريقة تعلمك للغة مثل الطرف الآخر.
وهذا يقودنا إلى مفهوم آخر في علم النفس، هو تأثير دانينغ–كروجر، الذي ارتبط بدراسة نشرها الباحثان ديفيد دانينغ وجاستن كروجر عام 1999.
تناولت الدراسة العلاقة بين مستوى الأداء والقدرة على تقييم الأداء الذاتي، وأظهرت أن بعض المشاركين ذوي الأداء المنخفض بالغوا في تقدير أدائهم مقارنة بنتائجهم الفعلية.
ومع ذلك، فمن المهم ألا نختزل هذا التأثير في العبارة الشائعة بأن الجاهل واثق والعالم متواضع؛ لأن تفسير نتائجه وحدود تعميمه خضعا لنقاشات وأبحاث لاحقة.
الفكرة التي تستحق أن نتوقف عندها هي أن تقييم الإنسان لمعرفته ليس دائمًا دقيقًا، وأن الثقة لا تصلح وحدها مقياسًا للكفاءة.
هل كثرة القراءة تعني كثرة الفهم؟
أحيانًا ننتهي من قراءة كتاب كامل، ونشعر أننا اكتسبنا معرفة واسعة، لكننا بعد أيام نعجز عن استحضار فكرته الأساسية أو شرح الحجج والأفكار التي بنى عليها مؤلفه رأيه.
وقد نقرأ عشرة مقالات عن موضوع واحد، دون أن نتوقف مرة واحدة لنسأل أنفسنا: ماذا فهمنا منها؟ وما الذي تغير في تصورنا بعد قراءتها؟
المشكلة هنا ليست في القراءة، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها مع ما نقرأ.
فالتعلم لا يقوم على استقبال المعلومات وحده، بل يستفيد من استرجاعها وربطها بالمعرفة السابقة ومحاولة استخدامها في مواقف جديدة.
ومن الوسائل المفيدة التي استخدمها لاختبار الفهم أن نغلق الكتاب بعد القراءة، ثم نحاول شرح فكرته بلغتنا الخاصة دون الرجوع إليه. فإذا وجدنا صعوبة في ذلك، فقد يكون من المفيد العودة إلى الأجزاء التي لم نستوعبها جيدًا.
كذلك فإن طرح الأسئلة على النص يساعدنا في الانتقال من القراءة العابرة إلى التفكير النقدي: ما الدليل الذي استند إليه الكاتب؟ هل توجد تفسيرات أخرى؟ وهل يمكن تطبيق الفكرة على موقف مختلف؟
التواضع المعرفي ليس ضعفًا:
أصبحت عبارة «لا أعرف» ثقيلة على بعض الناس، وكأن الاعتراف بعدم المعرفة يقلل من قيمة الإنسان أو مكانته أمام الآخرين.
ولعل ذلك يعود جزئيًا إلى أن مجتمعاتنا تكافئ أحيانًا سرعة الإجابة أكثر مما تكافئ دقتها. فمن يتحدث بثقة قد يبدو أكثر إقناعًا ممن يتوقف ليفكر أو يراجع معلوماته.
لكن التريث لا يعني الجهل، كما أن سرعة الإجابة لا تعني صحتها وصوابها.
التواضع المعرفي هو أن يدرك الإنسان حدود ما يعرفه، وأن يظل مستعدًا لتعديل أفكاره عندما تظهر له أدلة أقوى. وهو لا يتطلب التشكيك المستمر في كل معلومة، وإنما يقتضي التمييز بين ما نعرفه جيدًا، وما نرجحه، وما نحتاج إلى تعلمه وفهمه مرةً أخرى.
وأرى أن هذه المهارة تزداد أهمية كلما اتسعت مصادر المعرفة من حولنا؛ لأن وفرة المعلومات لا تحمينا تلقائيًا من الوقوع في الخطأ، بل قد تجعل التحقق والتمييز أكثر ضرورة.
أخيرًا .. ما الذي نعرفه حقًا؟
كلما فكرت في هذه المسألة، وجدت أن السؤال الأهم ليس كم معلومة نملك، وإنما كيف نتعامل مع المعلومات التي نعتقد أننا نملكها.
فقد يقضي الإنسان سنوات وهو يكرر فكرة سمعها في وقت مبكر من حياته، دون أن يسأل عن أصلها أو يتحقق من صحتها. وقد يغير سؤال واحد طريقة فهمه لموضوع ظن أنه يعرفه منذ زمن.
لا أعتقد أن الإنسان يستطيع التخلص تمامًا من أوهام المعرفة؛ فهي ترتبط بطبيعة إدراكنا وحدود قدراتنا العقلية. لكن بإمكانه أن يصبح أكثر انتباهًا إليها.
وربما تكون إحدى علامات النضج الفكري أن نتوقف عن اعتبار كل سؤال امتحانًا يجب أن ننجح فيه، وأن نرى في بعض الأسئلة فرصة لاكتشاف ما لم نتعلمه بعد.
فالمعرفة لا تبدأ دائمًا من العثور على إجابة جديدة، وإنما قد تبدأ من اكتشاف أن إجابتنا القديمة لم تكن كافية.
تعليقات
إرسال تعليق